الحكم العطائيه الحكمه أ13

الحكم العطائيه الحكمه أ13

كيف يُشرقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأكوانِ مُنْطَبِعَةٌ في مرآته ؟ أمْ كيف يرحلُ إلى الله وهو مكَبَّلٌ بشَهواته ؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرةَ الله وهو لم يتطهَّر من جَنَابَةِ غَفَلاتِهِ ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائقَ الأسرارِ وهو لم يَتُبْ من هَفَواتِهِ ؟

قال العارف رضي الله عنه :
كيف يُشرقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأكوانِ مُنْطَبِعَةٌ في مرآته ؟ أمْ كيف يرحلُ إلى الله وهو مكَبَّلٌ بشَهواته ؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرةَ الله وهو لم يتطهَّر من جَنَابَةِ غَفَلاتِهِ ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائقَ الأسرارِ وهو لم يَتُبْ من هَفَواتِهِ ؟

هذه الحكمة كالتوجيه للحكمة التي قبلها وذلك لأن العزلة المصحوبة بالفكرة يتخلى القلب بها عن الأغيار وبها يرحل إلى الله ويدخل حضرته ويتحلى بفهم دقائق الأسرار . وأما القلب الذي طُبعت في مرآته صوَرُ المكونات فاشتغل بها وصار مكبلاً أي مقيداً بالشهوات فإنه لا ينال الإشراق ولا يدخل في حضرة الكريم الخلاق لأنه لم يتطهر من غفلاته الشبيهة بالجنابة فيُمنع منها كما يُمنع الجنب من المسجد الذي هو محل المناجاة والاستجابة والاستفهام في المواضع الأربعة إنكاري بمعنى النفي أي لا يكون إشراق القلب مع انطباع صور الأكوان التي هي كالظلمة في مرآته أي محل ناظره الذي هو البصيرة لما في ذلك من الجمع بين الضدين ولا يمكنه الرحيل إلى الله بقطع عقبات النفس مع كونه مكبلاً بشهواته للجمع المذكور ولا يدخل حضرة الله أي دائرة ولايته المقتضية للطهارة مع كونه لم يتطهر من جنابة غفلاته لذلك الجمع ولا يرجو أن يفهم دقائق الأسرار المتوقفة على التحرز من المعاصي مع كونه لم يتب من هفواته
لذلك فالمطالب أربعة : إشراق القلب والرحيل إلى الحضرة ودخولها والإطلاع على أسرارها . وكلٌ وسيلة لما بعده .
والموانع أربعة : انطباع صور الأكوان في عين القلب والتكبل بالشهوات وعدم التطهير من جنابة الغفلات وترك التوبة من الهفوات

شرح ابن عجيبه

من كتاب
إيقاظ الهمم في شرح الحكم

الحكمه الثالثه عشر
كيف يُشرقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأكوانِ مُنْطَبِعَةٌ في مرآته ؟ أمْ كيف يرحلُ إلى الله وهو مكَبَّلٌ بشَهواته ؟ أم كيف يطمع أن يدخل حضرةَ الله وهو لم يتطهَّر من جَنَابَةِ غَفَلاتِهِ ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائقَ الأسرارِ وهو لم يَتُبْ من هَفَواتِهِ ؟
قال العارف رضي الله عنه :
كيف يُشرقُ قَلْبٌ صُوَرُ الأكوانِ مُنْطَبِعَةٌ في مرآته ؟

يشرق بضم الياء أي يستنير ويضيء
وصور الأكوان أشخاصها وتماثيلها الحسية والمعنوية
والأكوان أنواع المخلوقات دقت أو جلت
ومنطبعة أي ثابتة وأنطبع الشيء في الشيء ظهر أثره فيه
والمرآة بكسر الميم آلة صقيلة ينطبع فيها ما يقابلها فكلما قوى صقلها قوى ظهور ما يقابلها فيها وأستعيرت هنا للبصيرة التي هي عين القلب التي تتجلى فيها الأشياء حسنها وقبيحها
قلت جعل الله قلب الإنسان كالمرآة الصقيلة ينطبع فيها كل ما يقابلها وليس لها إلا وجهة واحدة فإذا أراد الله عنايته بعبد شغل فكرته بأنوار ملكوته وأسرار جبروته ولم يعلق قلبه بمحبة شيء من الأكوان الظلمانية والخيالات الوهمية فأنطبعت في مرآة قلبه أنوار الإيمان والإحسان وأشرقت فيها أقمار التوحيد وشموس العرفان
وإلى ذلك أشار الششتري في بعض أزجاله بقوله، أغمض الطرف ترى، وتلوح أخبارك، وأفن عن ذي الورى، تبدو لك أسرارك، وبصقل المري، به يزول إنكارك، ثم قال، الفلك فيك يدور، ويضيء ويلمع، والشموس والبدور، فيك تغيب وتطلع، أي وبصقل مرآة قلبك يزول إنكارك للحق فتعرفه في كل شيء فيصير قلبك قطب فلك الأنوار فيه تبدو أقمار التوحيد وشموس العرفان، وإذا أراد الله تعالى خذلان عبد بعدله وحكمته أشغل فكرته بالأكوان الظلمانية والشهوات الجسمانية فأنطبعت تلك الأكوان في مرآة قلبه فأنحجب بظلماتها الكونية وصورها الخيالية عن أشراق شموس العرفان وأنوار الإيمان فكلما تراكمت فيها صور الأشياء إنطمس نورها وأشتد حجابها فلا ترى إلا الحس ولا تتفكر إلا في الحس فمنها ما يشتد حجابها وينطمس نورها بالكلية فتنكر وجود النور من أصله وهو مقام الكفر والعياذ بالله ومنها ما يقل صداها ويرق حجابها فتقر بالنور ولا تشاهده وهو مقام عوام المسلمين وهم متفاوتون في القرب والبعد وقوة الدليل وضعفه كل على قدر يقينه وقلة تعلقاته الدنيوية وعوائقه الشهوانية وخيالاته الوهمية
وفي الحديث أن القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد وأن الإيمان يخلق أي يبلى كما يخلق الثوب الجديد الحديث
وفي حديث آخر لكل شيء مصقلة ومصقلة القلوب ذكر الله
وقال أيضاً صلى الله عليه وسلم أن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن هو نزع وأستغفر صقلت وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه فذلك الران الذي ذكر الله،
كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ
أو كما قال عليه السلام وإذا علمت أن القلب ليس له إلا وجهة واحدة إذا قابلها النور أشرقت وإذا قابلتها الظلمة أظلمت ولا تجتمع الظلمة والنور أبداً علمت وجه تعجب الشيخ بقوله كيف يشرق قلب بنور الإيمان والإحسان وصور الأكوان الظلمانية منطبعة في مرآة قلبه فالضدان لا يجتمعان
قال الله تعالى
“مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ

فمالك أيها الفقير إلا قلب واحد إذا أقبلت على الخلق أدبرت عن الحق وإذا أقبلت على الحق أدبرت عن الخلق فترحل من عالم الملك إلى الملكوت ومن الملكوت إلى الجبروت وما دمت مقيداً في هذا العالم بشهواتك وعوائدك فلا يمكنك الرحيل إلى ربك وإلى ذلك أشار بقوله
أمْ كيف يرحلُ إلى الله وهو مكَبَّلٌ بشَهواته ؟

الرحيل هو النهوض والإنتقال من وطن إلى وطن وهو هنا من نظر الكون إلى شهود المكون أو من الملك إلى الملكوت أو من الوقوف مع الأسباب إلى رؤية مسبب الأسباب أو من وطن الغفلة إلى اليقظة أو من حظوظ النفس إلى حقوق الله أو من عالم الأكدار إلى عالم الصفا أو من رؤية الحس إلى شهود المعنى أو من الجهل إلى المعرفة أو من علم اليقين إلى عين اليقين أو من عين اليقين إلى حق اليقين أو من المراقبة إلى المشاهدة أو من مقام السائرين إلى وطن المتمكنين
والمكبل هو المقيد
والمراد بالشهوات كل ما تشتهيه النفس وتميل إليه
قلت الرحيل مع التكبيل لا يجتمعان فما دام القلب محبوساً بالميل إلى شيء من هذا العرض الفاني ولو كان مباحاً في الشرع فهو مقيد به ومكبل في وطنه فلا يرحل إلى الملكوت ولا تشرق عليه أنوار الجبروت فتعلق القلب بالشهوات مانع له من النهوض إلى الله لإشتغاله بالإلتفات إليها وعلى تقدير النهوض معها تكون
مثبطة له عن الإسراع بالميل إليها وعلى تقدير الإسراع فلا يأمن العثار معها لإنس النفس بها
ولذلك ترك الأكابر لذتها حتى قال بعضهم
لدغ الزنابير على الأجسام المقرحة أيسر من لدغ الشهوات على القلوب المتوجهة

قال الشيخ زروق رضي الله عنه قلت هذا إن تعلق القلب بطلبها قبل حصولها وإلا فلا لعدم تعلق القلب بها
وقد تقدم في حقيقة التصوف أن تكون مع الله بلا علاقة
وكان شيخناً رضي الله عنه يقول إن شئتم أن نقسم لكم لا يدخل عالم الملكوت من في قلبه علقة
فأقطع عنك يا أخي عروق العلائق وفر من وطن العوائق تشرق عليك أنوار الحقائق ولهذا كانت السياحة والهجرة من الأمور المؤكدة على المريد إذ الإقامة في وطنه الحسي لا يخلو معها من التعلقات الحسية وقد قالوا الفقير كالماء إذا طال في موطن واحد تغير وإذا جرى عذب وبقدر ما يسير في الحس يسير في المعنى وبقدر ما يسير القالب يسير القلب والهجرة سنة نبوية ومنذ هاجر النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن له راحة إلا في السفر للجهاد حتى فتح الله عليه البلاد وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم لم يستقر في وطنه إلا القليل منهم حتى فتح الله على أيديهم سائر البلاد وهدى الله بهم العباد نفعنا الله ببركاتهم آمين
الفاتحه
امين