الحكم العطائيه الحكمه 1

الحكم العطائيه الحكمه 1

سنورد الشرحان لان الشرنوبي مختصر ولمن اراد الاستزاده فليكمل بشرح ابن عجيبه فهو من اكمل شروحاتها
الحكمه الاولى

من علامة الاعتمادِ على العَمَلِ نُقْصانُ الرَّجاءِ عند وجودِ الزَّللِ

قال العارف رضي الله عنه :

من علامة الاعتمادِ على العَمَلِ نُقْصانُ الرَّجاءِ عند وجودِ الزَّللِ

يعني أن من علامات تعويل العامل على عمله أن ينقص رجاؤه في رحمة الله عند وجود زلل . ومفهومه رجحان الرجاء عند التحلي بالعمل والتخلي عن الزلل وهذه الحكمة إنما تناسب العارفين الذين يشاهدون أن الأعمال كلها من رب العالمين لملاحظتهم قوله سبحانه في كتابه المكنون : { وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ } ( 96 ) الصافات

فلا يعظم رجاؤهم بالأعمال الصالحة حيث إنهم لا يشاهدون لأنفسهم عملاً ولا ينقص أملهم في رحمة الله إذا قصروا في الطاعة أو اكتسبوا زللا لأنهم غرقى في بحار الرضا بالأقدار متمسكون بحبل قضاء { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } ( 68 ) القصص فإن الرضا بالقضاء واجب من حيث إرادته له ومذموم من حيث الكسب ما انفكت الجهة . وقد قال المصنف في بعض قصائده :

ولا يَمْنَعْهُ ذنبٌ من رَجَاءٍ فإنَّ الله غَفارُ الذُّنوب

وأما السالكون فإنما يناسبهم الفرح بصالح العمل وتقديم الخوف المستلزم لنقصان الرجاء عند وجود الزلل على حد قول الإمام الدردير :

وغَلِّبِ الخوفَ على الرجاءِ وسِرْ لمولاك بلا تناءِ

لا سيما في هذه الأزمنة التي رقت فيها الديانة وكثرت الجراءة على المعاصي وقلَّتْ فيه الأمانة . فإن الله تعالى جعل الأعمال الصالحة سبباً لرفع الدرجات بدار القرار والأعمال الطالحة موجبة للدرك الأسفل من النار قال تعالى : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ( 5 ) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ( 6 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ( 7 ) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى ( 8 ) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ( 9 ) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ( 10 ) } الليل وإنما بدأ المصنف بما يناسب مقام العارفين وإن كان مقتضى الترقي البداءة بمقام السالكين من الحث على حسن المتاب والتمسك بالأسباب الموصلة إلى الكريم التواب ليكون السالك حسن البداية التي بها تشرق النهاية . فمقصوده بهذه الحكمة تنشيط السالك المجد في الأعمال ورفع همته عن الاعتماد عليها واعتماده على محض فضل ذي العزة والجلال . كما أشار لذلك ابن الفارض بقوله :

تمسَّكْ بأذيالِ الهوى واخلَعِ الحَيا وخلِّ سبيلَ النَّاسكينَ وإنْ جَلُّوا
فإنه لم يُرِدْ الأمرَ بترك العبادة لأنه كان من أعظم العُبَّاد بل أراد عدم التعويل عليها والاعتماد على فضل الكريم الجواد . وفي الحديث : ” لن يُدْخِلَ أحداً عملُهُ الجنة ” قالوا : ولا أنت يا رسول الله . قال : ” ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضله ورحمته ” . وقد جُمع بين هذا الحديث و آية : { ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } النحل ( 32 ) بأن العمل لا يكون معتبراً إلا إذا كان مقبولاً وقبوله بمحض الفضل فصح أن دخول الجنة بمحض فضل الله وأن العمل سبب ظاهري متوقَّف عليه . والله تعالى يوفقنا لما فيه رضاه
شرح ابن عجيبه
من كتاب
إيقاظ الهمم في شرح الحكم

الحكمه الاولى

من علامة الاعتمادِ على العَمَلِ نُقْصانُ الرَّجاءِ عند وجودِ الزَّللِ
الاعتماد على الشيء هو الأستناد عليه والركون إليه والعمل حركة الجسم أو القلب فان تحرك بما يوافق الشريعة سمى طاعة وان تحرك بما يخالف الشريعة سمى معصية والأعمال عند أهل الفن على ثلاثة أقسام عمل الشريعة وعمل الطريقة وعمل الحقيقة أو تقول عمل الاسلام وعمل الإيمان وعمل الأحسان أو تقول عمل العبادة وعمل العبوديه وعمل العبودة أي الحرية أو تقول عمل أهل البداية وعمل أهل الوسط وعمل أهل النهاية فالشريعة أن تعبده والطريقة أن تقصده والحقيقة أن تشهده أو تقول الشريعة لاصلاح الظواهر والطريقة لاصلاح الضمائر والحقيقة لاصلاح السرائر، واصلاح الجوارح بثلاثة أمور بالتوبة والتقوى والاستقامة، واصلاح القلوب بثلاثة أمور بالاخلاص والصدق والطمأنينة، واصلاح السرائر بثلاثة أمور بالمراقبة والمشاهدة والمعرفة أو تقول أصلاح الظواهر باجتناب النواهي وامتثال الأوامر، واصلاح الضمائر بالتخلية من الرذائل والتحلية بأنواع الفضائل، واصلاح السرائر وهي هنا الأرواح بذلها وانكسارها حتى تتهذب وترتاض الأدب والتواضع وحسن الخلق، وأعلم أن الكلام هنا إنما هو في الأعمال التي توجب تصفية الجوارح أو القلوب أو الأرواح وهي ما تقدم تعيينها لكل قسم وأما العلوم والمعارف فأنما هي ثمرات التصفية والتطهير فإذا تطهرت الأسرار ملئت بالعلوم والمعارف والأنوار ولا يصح الانتقال إلى مقام حتي يحقق ما قبله فمن أشرقت بدايته أشرقت نهايته فلا ينتقل إلى عمل الطريقة حتى يحقق عمل الشريعةوترتاض جوارحه معها بأن يحقق التوبة بشروطها ويحقق التقوي بأركانها ويحقق الاستقامة بأقسامها وهي متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله فإذا تزكي الظاهر وتنور بالشريعة انتقل من عمل الشريعة الظاهرة إلى عمل الطريقة الباطنة وهي التصفية من أوصاف البشرية على ما يأتي فإذا تطهر من أوصاف البشرية تحلى بأوصاف الروحانية وهي الأدب مع الله في تجلياته التي هي مظاهره فحينئذ ترتاح الجوارح من التعب وما بقي ألا حسن الأدب قال بعض المحققين من بلغ إلى حقيقة الاسلام لم يقدر أن يفتر عن العمل ومن بلغ إلى حقيقة الإيمان لم يقدر أن يلتفت إلى العمل بسوى الله ومن بلغ إلى الحقيقة الاحسان لم يقدر أن يلتفت إلى أحد سوى الله اه ولا يعتمد المريد في سلوك هذه المقامات على نفسه ولا على عمله ولا على حوله وقوته وإنما يعتمد على فضل ربه وتوفيقه وهدايته وتسديده قال تعالى وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (68)
وقال تعالى
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ
وقال تعالى
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ ( 118 )

وقال صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحدكم الجنة بعمله قالوا ولا أنت يا رسول الله قال ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته
فالاعتماد على النفوس من علامة الشقاء والبؤس. والأعتماد على الأعمال من عدم التحقق بالزوال، والاعتماد على الكرامة والاحوال، من عدم صحبة الرجال، والاعتماد على الله من تحقق المعرفة بالله، وعلامة الاعتماد على الله أنه لا ينقص رجاؤه إذا وقع في العصيان، ولا يزيد رجاؤه إذا صدر منه احسان، أو تقول لا يعظم خوفه إذا صدرت منه غفلة كما لا يزيد رجاؤه اذا وقعت منه يقظة قد استوى خوفه ورجاؤه على الدوام لأن خوفه ناشيء عن شهود الجلال ورجاؤه ناشيء عن شهود الجمال وجلال الحق وجماله لا يتغيران بزيادة ولا نقصان فكذا ما يتشأ عنهما بخلاف المعتمد على الأعمال إذا قل عمله قل رجاؤه وأذا كثر عمله كثر رجاؤه لشركه مع ربه وتحققه بجهله ولو فني عن نفسه وبقي بربه لاستراح من تعبه وتحقق بمعرفة ربه ولا بد من شيخ كامل يخرجك من تعب نفسك إلى راحتك بشهود ربك فالشيخ الكامل هو الذي يريحك من التعب لا الذي يدلك على التعب من دلك على العمل فقد أتعبك ومن دلك على الدنيا فقد غشك ومن دلك على الله فقد نصحك كما قال الشيخ ابن مشيش رضي الله عنه والدلالة على الله هي الدلالة على نسيان النفس فإذا نسيت نفسك ذكرت ربك
قال تعالى
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ

أي ما سواه وسبب التعب هو ذكر النفس والاعتناء بشؤنها وحظوظها وأما من غاب عنها فلا يلقى إلا الراحة وأما
قوله تعالى
لَقَدۡ خَلَقۡنَا الۡإِنسَانَ فِى كَبَدٍ
أي في تعب فهو خاص بأهلي الحجاب أو تقول خاص بأحياء النفوس وأما من مات فقد

قال تعالى فيه
{
فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (88) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ}
أي فروح الوصال وريحان الجمال وجنة الكمال وقال تعالى
* لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ
أي تعب ولكن لا تدرك الراحة إلا بعد التعب ولا يحصل الظفر إلا بالطلب حفت الجنة بالمكاره

أيها العاشق معنى حسنـنـا مهرنا غال لمن يخطبـنـا
جسد مضني وروح في العنا وجفون لا تذوق الوسـنـا
وفؤاد لـيس فـيه غـيرنـا وإذا ما شئت اد الثـمـنـا

فافن أن شئت فناء سرمـدا فالفنا يدني إلى ذاك الفـنـا

واخلع النعلين أن جئت إلـى ذلك الحي ففيه قـدسـنـا
وعن الكونين كن منخلـعـا وازل ما بيننا من بـينـنـا

واذا قيل من تهوى فـقـل أنا من أهوى ومن أهوى أنا
وقال في حل الرموز ثم اعلم أنك لا تصل إلى منازل القربات، حتى تقطع ست عقبات، العقبة الأولى فطم الجوارح عن المخالفات الشرعية، العقبة الثانيةفطم النفس عن المألوفات العادية، العقبة الثالثة فطم القلب عن الرعونات البشرية، العقبة الرابعة فطم النفس عن الكدورات الطبيعية، العقبة الخامسة فطم الروح عن البخورات الحسية، العقبة السادسة فطم العقل عن الخيالات الوهمية، فتشرف من العقبة الأولى على ينابيع الحكم القلبية وتطلع من العقبة الثانية على أسرار العلوم اللدنية وتلوح لك في العقبة الثالثة أعلام المناجات الملكوتية ويلمع لك في العقبة الرابعة أنوار المنازلات القربية وتطلع لك في العقبة الخامسة أنوار المشاهدات الحبية وتهبط من العقبة السادسة على رياض الحضرة القدسية فهنالك تغيب بما تشاهده من اللطائف الأنسية عن الكثائف الحسية فإذا أرادك لخصوصيته الإصطفائية سقاك بكأس محبته شربة تزداد بتلك الشربة ظمأ وبالذوق شوقاً وبالقرب طلباً وبالسكر قلقاً اه المراد منه
تتميم اشكل على بعض الفضلاء
قوله تعالى
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
مع قوله صلى الله عليه وسلم
لن يدخل أحدكم الجنة بعمله الحديث

والجواب أن الكتاب والسنة وردا بين شريعة وحقيقة أو تقول بين تشريع وتحقيق فقد يشرعان في موضع ويحققان في آخر في ذلك الشيء بعينه وقد يحققان في موضع ويشرعان فيه في آخر وقد يشرع القرآن في موضع وتحققه السنة وقد تشرع السنة في موضع ويحققه القرآن فالرسول عليه السلام مبين لما أنزل الله
قال تعالى
“وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ

فقوله تعالى
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
هذا تشريع لأهل الحكمة وهم أهل الشريعة
وقوله صلى الله عليه وسلم لن يدخل أحدكم الجنة بعمله الحديث هذا تحقيق لأهل القدرة وهم أهل الحقيقة
كما أن قوله تعالى
‏‏{‏‏وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ }‏‏
‏، تحقيق وقوله صلى الله عليه وسلم
إذا هم أحدكم بحسنة كتبت له حسنة تشريع والحاصل أن القرآن تقيده السنة والسنة يقيدها القرآن فالواجب على الإنسان أن تكون له عينان أحداهما تنظر إلى الحقيقة والأخرى تنظر إلى الشريعة فإذا وجد القرآن قد شرع في موضع فلا بد أن يكون قد حقق في موضع آخر أو تحققه السنة وأذا وجد السنة قد شرعت في موضع فلا بد أن تكون قد حققت في موضع آخر أو حققها القرآن ولا تعارض حينئذ بين الآية والحديث ولا أشكال وهنا جواب آخر وهو أن الله تعالى لما دعا الناس إلى التوحيد والطاعة على أنهم لا يدخلون فيه من غير طمع فوعدهم بالجزاء على العمل فلما رسخت أقدامهم في الإسلام أخرجهم عليه السلام من ذلك الحرف ورقاهم إلى إخلاص العبودية والتحقق بمقام الأخلاص فقال لهم لن يدخل أحدكم الجنة بعمله والله تعالى أعلم وهنا أجوبة لأهل الظاهر لا تجدي شيئاً ولما كان الإنتقال من عمل الظاهر إلى عمل الباطن لا بد أن يظهر أثره على الجوارح
قال تعالى
إِنَّ الْمُلُوك إِذَا دَخَلُوا قَرْيَة أَفْسَدُوهَا
الآية
الفاتحه
امين