الحكم العطائيه الحكمه 11

الحكم العطائيه الحكمه 11

ادْفِنْ وجودَك في أرضِ الخمولِ فما نَبَتَ مما لم يُدْفَنْ لا يَتِمُّ نَتَاجُه

قال العارف رضي الله عنه :
ادْفِنْ وجودَك في أرضِ الخمولِ فما نَبَتَ مما لم يُدْفَنْ لا يَتِمُّ نَتَاجُه

أي ادفن – أيها المريد – نفسك أي شهرتها في الخمول الذي هو كالأرض للميت في التغطية التامة بأن لا تتعاطى أسباب الشهرة . فإن الخمول مما يعين على الإخلاص بخلاف حب الظهور فإنه من جملة القواطع القاصمة للظهور . فما نبت من الحَب مما لم يدفن في الأرض لا يتم نتاجه بل يخرج مصفراً . وكذلك أنت – أيها المريد – إذا تعاطيت أسباب الشهرة في بدايتك قل أن تفلح في نهايتك .

ومن ثَمَّ قال رجل لبشر بن الحارث : أوصني فقال : أخمل ذكرك وأطب مطعمك .

وقال بعضهم : لا تصلح طريقتنا هذه إلا لأقوام كُنست بأرواحهم المزابل .

وقال إبراهيم بن أدهم : ما صدق الله من أحب الشهرة .

ولله در القائل :

عِشْ خامل الذكر بين الناسِ وارضَ به فذاك أسلمُ في الدنيا وفي الدين

مَنْ عاشرَ النَّاسَ لم تسلمْ ديانَتُهُ ولم يزَلْ بين تحريكِ وتسكينِ

شرح ابن عجيبه

من كتاب
إيقاظ الهمم في شرح الحكم

الحكمه الحاديه عشر

ادْفِنْ وجودَك في أرضِ الخمولِ فما نَبَتَ مما لم يُدْفَنْ لا يَتِمُّ نَتَاجُه
ولما كان الخمول من مضامن الإخلاص بل لا يتحقق في الغالب إلا به إذ لاحظ فيه للنفس ذكره بعده فقال
ادْفِنْ وجودَك في أرضِ الخمولِ فما نَبَتَ مما لم يُدْفَنْ لا يَتِمُّ نَتَاجُه
الدفن هو التغطية والستر
والخمول سقوط المنزلة عند الناس
ونتائج الشجرة ثمرتها أستعير هنا للحكم
والمواهب والعلوم التي يجتنيها العبد من المعرفة بالله وذلك عند موت نفسه وحياة روحه
قلت استر نفسك أيها المريد وأدفنها في أرض الخمول حتى تستأنس به وتستحليه ويكون عندها أحلى من العسل ويصير الظهور عندها أمر من الحنظل فإذا دفنتها في أرض الخمول وأمتدت عروقها فيه فحينئذ تجني ثمرتها ويتم لك نتاجها وهو سر الإخلاص والتحقق بمقام خواص الخواص وأما إذا لم تدفنها في أرض الخمول وتركتها على ظهر الشهرة تجول ماتت شجرتها أو أسقطت ثمرتها فإذا جني العارفون ما غرسوه من جنات معارفهم من العلوم وما دفنوه من كنوز الحكم ومخازن الفهوم بقيت أنت فقيراً سائلاً أو سارقاً صائلاً
قال سيدنا عيسى عليه السلام لأصحابه أين تنبت الحبة قالوا في الأرض قال كذلك الحكمة لا تنبت إلا في قلب كالأرض
وقال بعض العارفين كلما دفنت نفسك أرضاً أرضاً سماً قلبك سماء سماء
وقال رسول الله صل الله عليه وسلم “رب أشعث أغبر ذي طمرين تنبوا عنه أعين الناس لو أقسم على الله لأبره في قسمه “
وكان عليه الصلاة والسلام جالساً مع الأقرع بن حابس كبير بني تميم فمر عليه رجل من فقراء المسلمين فقال عليه السلام للأقرع بن حابس ما تقول في هذا فقال هذا يا رسول الله من فقراء المسلمين حقيق أن خطب أن لا يزوج وإن استأذن أن لا يؤذن له وإن قال أن لا يسمع له ثم مر بهما رجل من المترفين فقال له عليه السلام وما تقول في هذا فقال هذا حقيق أن خطب أن يزوج وإن استأذن أن يؤذن له وأن قال أن يسمع له فقال له صل الله عليه وسلم هذا يعني الفقير خير من ملء الأرض من هذا وفي مدح الخمول أحاديث كثيرة وفضائل مشهورة ولو لم يكن فيه إلا الراحة وفراغ القلب لكان كافياً وأنشد بعضهم وهو الحضرمي
عِشْ خامل الذكر بين الناسِ وارضَ به فذاك أسلمُ في الدنيا وفي الدين
مَنْ عاشرَ النَّاسَ لم تسلمْ ديانَتُهُ ولم يزَلْ بين تحريكِ وتسكينِ

وقال بعض الحكماء الخمول نعمة والنفس تأباه والظهور نقمة والنفس تهواه
وقال آخر طريقتنا هذه لا تصلح إلا بقوم كنست بأرواحهم المزابل
قلت ويجب على من أبتلى بالجاه والرياسة أن يستعمل من الخراب ما يسقط به جاهه وأن كان مكروهاً دون الحرام المتفق عليه بقصد الدواء كالسؤال في الحوانيت أو الديار والأكل في السوق وحيث يراه الناس وكالرقاد فيه وكالسقي بالقربة وحمل الزبل على الرأس بوقاية وكالمشي بالحفا وإظهار الحرص والبخل والشح وكلبس المرقعة وتعليق السبحة الكبيرة وكل ما يثقل على النفس من المباح أو المكروه دون الحرام
قال الشيخ زروق رضي الله عنه وكما لا يصلح دفن الزرع في أرض رديئة لا يجوز الخمول بحالة غير مرضية وقياس ذلك بالغصة لا يصح لأن فوت الحياة الحسية مانع من كل خير واجباً ومندوباً وتفويتها مع أمكان إبقائها محرم إجماعاً
لقوله تعالى
وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ

بخلاف الخمول لا يفوت به شيء من ذلك إنما يفوت به الكمال وهو نفي الجاه والمنزلة وأصله الإباحة وأجاب بعضهم بأنه إذا جاز لفوت الحياة الفانية فأولى أن يجوز لفوت الحياة الدائمة وهي المعرفة فتأمله وقصة لص الحمام تشهد له والله تعالى أعلم
ولقد سمعت شيخناً رضي الله عنه يقول الفقير الصديق يقتل نفسه بأدنى شيء من المباح والفقير الكذاب يقع في المحرم ولا يقتلها وكان كثيراً ما ينهي عن الأحوال الظلمانية ويقول عندنا من المباح ما يغنينا عن المحرم والمكروه وأما السؤال فإنما هو مكروه أو حرام لقصد قوت الأشباح مع الكفاية وأما لقصد قوت الأرواح فليس بحرام
وقد ذكر القسطلاني في شرح البخاري عن ابن العربي الفقير أنه واجب على الفقير في بدايته فأنظره وقد ذكره في المباحث الأصلية مستوفي فأنظره وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله عند قوله لا تمدن يدك إلى الأخذ من الخلائق ألخ فإن قلت هذا الخراب الذي ذكرت فيه شهرة أيضاً إذ الخمول هو الخفاء عن أعين الناس وهذا فيه ظهور كبير قلت الخمول هو إسقاط المنزلة عند الناس وكتمان السر الولاية وكل ما يسقط المنزلة عندهم وينفي تهمة الولاية فهو خمول وإن كان في الحس ظهوراً
ولذلك كان شيخناً رضي الله عنه يقول طريقتنا منها الخمول في الظهور والظهور في الخمول
وقال النجيبي في الأنالة ما نصه ومن يقل من الصوفية أن المرقعة شهرة فجوابه أن سلمان الفارسي سافر في زيارة أبي الدرداء من العراق إلى الشام راجلاً وعليه كساء غليظ غير مضموم فقيل له أشهرت نفسك فقال الخير خير الآخرة وإنما أنا عبد ألبس كما يلبس العبد فإذا أعتقت لبست حلة لا تبلى حواشيها
ومن ذلك قصة الغزالي رضي الله عنه من حمله جلد الثور على ظهره حين ملاقاة شيخه الخراز وكنسه السوق واستعماله القربة ليسقي الناس كذا سمعتها من الشيخ مراراً ولم أقف عليها عند أحد ممن عرف به وأنظر ما جرى له مع ابن العربي عند قوله رب عمر أتسعت آماده وقلت أمداده
وكذلك قصة الششتري رضي الله عنه مع شيخه ابن سبعين لأن الششتري كان وزيراً وعالماً وأبوه كان أميراً فلما أراد الدخول في طريق القوم قال له شيخه لا تنال منها شيئاً حتى تبيع متاعك وتلبس قشابة وتأخذ بنديراً وتدخل السوق ففعل جميع ذلك فقال له ما تقول في السوق فقال قل بدأت بذكر الحبيب فدخل السوق يضرب بنديره ويقول بدأت بذكر الحبيب فبقي ثلاثة أيام وخرقت له الحجب فجعل يغني في الأسواق بعلوم الأذواق ومن كلامه رضي الله عنه

شويخ من أرض مكناس

في وسط الأسواق يغني

اش علي من الـنـاس

واش على الناس منـي

ثم قال

اش حـد مـن حــد أفهموا ذي الأشـاره
وأنظروا كبر سـنـي والعصا والـغـراره
هكذا عشـت بـفـاس وكـدهـان هـونـي
آش علي من الـنـاس وآش على الناس مني
وما أحسـن كـلامـه إذا يخطر في الأسواق
وترى أهل الحوانـت تلتفت لو بالأعـنـاق
بالغرارة في عنـقـو بعكيكـز وبـغـراف
شيخ يبني على سـاس كأنشاء اللـه يبـنـي
اش علي من الـنـاس واش على الناس مني

وكذا قصة الرجل الذي كان مع أبي يزيد البسطامي بقي معه ثلاثين سنة فكان لا ينقطع عن مجلسه ولا يفارقه فقال له يوماً يا أستاذ أنا منذ ثلاثين سنة أصوم النهار وأقوم الليل وقد تركت الشهوات ولست أجد في قلبي شيئاً من هذا الذي تذكر البتة وأنا أو من بكل ما تقول وأصدقه فقال له أبو يزيد رضي الله عنه لو صليت ثلاثمائة سنة وأنت على ما أراك عليه لا تجد منه ذرة قال فلم يا أستاذ قال لأنك محجوب بنفسك قال أفلهذا دواء حتى ينكشف هذا الحجاب قال نعم ولكنك لا تقبل ولا تعمل قال بل أقبل وأعمل ما تقول قال له أبو يزيد إذهب الساعة إلى الحجام وأحلق رأسك ولحيتك وأنزع هذا اللباس وأتزر بعباءة وعلق في عنقك مخلاة وأملأها جوزاً وأجمع حولك صبياناً وقل بأعلى صوتك يا صبيان من تصفعني صفعة أعطه جوزة وأدخل سوقك الذي تعظم فيه وأنت على هذه الحالة حتى ينظر إليك كل من عرفك فقال يا أبا يزيد سبحان اله أيقال لمثلي هذا وتحسب أني أفعله فقال له قولك سبحان الله شرك فقال له وكيف فقال أبو يزيد لأنك عظمت نفسك فسبحتها قال يا أبا يزيد لست أقدر على هذا ولا أفعله ولكن دلني على غير هذا حتى أفعله فقال له أبو يزيد إبدأ بهذا قبل كل شيء حتى تسقط جاهك وتذل نفسك ثم بعد ذلك أعرفك بما يصلح لك قال لا أطيق هذا قال أنك قد قلت أنك تقبل وتعمل وأنا أعلم أن لا مطمع لعبد فيما حجب عن العامة من أسرار الغيب حتى يموت نفسه ويخرق عوائد العامة فحينئذ تخرق له العوائد وتظهر له الفوائد
وكذلك قصة أبي عمران البردعي مع شيخه أبي عبد الله التاودي بفاس من حلق رأسه ولبسه جلابية وأخذه خبزة ينادي عليها من يخلصها ففعل جميع ذلك
وكذلك قصة شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن المجذوب من أكله التين عند أشجار الناس وغنائه بالأسواق وخرابه بالقصر مشهور حتى طوف بها مراراً
وكذلك قصة سيدي علي العمراني فخرابه بفاس مشهور كنار على علم سكن السفليات حتى مات رضي الله عنه
وكذلك قصة شيخ شيخنا مولاي العربي من لبسه الغرارة وسقيه بالقربة وغير ذلك مما هو معلوم
فهذه الحكايات تدل على أن الخمول ليس هو ما يفهمه العوام من لزوم البيوت والفرار إلى الجبال فذلك هو عين الظهور عند المحققين
وإنما الخمول هو كما قال الشيخ زروق رضي الله عنه تحقق النفس بوصفها الأدنى وشعورها به أبداً ووصفها الأدنى هو الذل وكل ما يثقل عليها فمرجعه للتحقق بوصف التواضع وفائدته تحصيل العمل وكمال الحقيقة
فإن قلت في فعل هذه الأحوال التعرض لكلام الناس وإيقاعهم في الغيبة قلت هذا مبني على القصد والنية وكل من فعل شيئاً من ذلك فإنما قصده قتل نفسه وتحقيق إخلاصه ودواء قلبه وهم مسامحون لمن قال فيهم عاذرون له
قال سيدي على في كتابه نحن نعذر من عذرنا ونعذر من لم يعذرنا
وقال الشيخ زروق في قواعده قاعدة حكم الفقه عام في العموم لأن مقصوده إقامة رسم الدين ورفع مناره وإظهار كلماته وحكم التصوف خاص في الخصوص لأنه معاملة بين العبد وربه من غير زائد على ذلك فمن ثم صح أنكار الفقيه على الصوفي ولم يصح إنكار الصوفي على الفقيه ولزم الرجوع من التصوف إلى الفقه في الأحكام لا في الحقائق
تنبيه هذه الأدوية التي ذكرنا إنما هي في حالة المرض وأما من تحقق شفاؤه وكمل فناؤه فهو عبد الله سواء أظهره أو أخفاه
وفي هذا قال أبو العباس المرسي رضي الله عنه من أحب الظهور فهو عبد الظهور ومن أحب الخفاء فهو عبد الخفاء وعبد الله سواء عليه أظهره أم أخفاه
الفاتحه
امين