الحكم العطائيه الحكمه 12

الحكم العطائيه الحكمه 12

ما نَفَعَ القلبَ مثلُ عُزْلَةٍ يدخلُ بها مَيْدَانَ فكرة

قال العارف رضي الله عنه :

ما نَفَعَ القلبَ مثلُ عُزْلَةٍ يدخلُ بها مَيْدَانَ فكرة

أي ما نفع قلبَ المريد شيءٌ من الأشياء المطهرِّة له من الغفلات مثل عزلة عن الخلق يدخل بها ميدان فكرة أي تفكر في مصنوعات بارئ الأرض والسماوات . وإضافة ميدان لفكرة من إضافة المشبه به للمشبه أي فكرة شبيهة بالميدان لتردد القلب فيها كتردد الخيل في الميدان .
وفي الحديث : ” تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة “
وذلك لأنه يوصل إلى معرفة حقائق الأشياء وتزداد به معرفة الله ويطلع به المتفكر على خفايا آفات النفس ومكائد الشيطان وغرور الدنيا .
والعزلة التي ينشأ عنها هذا الفكر أحد أركان الطريق الأربعة المجموعة في قول بعضهم :

بيتُ الولاية قُسِّمَتْ أركانَهُ سادتُنا فيه من الأبدالِ
ما بين صمتٍ واعتزالٍ دائمٍ والجوعِ والسّهرِ النزيهِ الغالي
يوضحها قول الإمام أحمد بن سهل :
أعداؤك أربعة : الدنيا وسلاحها الخَلقْ وسجنها العزلة . والشيطان وسلاحه الشبع وسجنه الجوع . والنفس وسلاحها النوم وسجنها السهر . والهوى وسلاحه الكلام وسجنه الصمت . واعلم أن الشأن في العزلة أن تكون بالقلب والقالب بأن يتباعد صاحبها عن الخلق . وقد تكون بالقلب فقط بأن يختلط بجسمه معهم مع تعلق قلبه بالحق كما قالت رابعة العدوية في مقام المشاهدة القلبية :
ولقد جعلتُك في الفؤاد محدَّثي وأبحتُ جسمي مَنْ أراد جلوسي
فالجسمُ مني للجليسِ مؤانسٌ وحبيبُ قلبي في الفؤاد أنيسي

شرح ابن عجيبه

من كتاب
إيقاظ الهمم في شرح الحكم

الحكمه الثانيه عشر
ما نَفَعَ القلبَ مثلُ عُزْلَةٍ يدخلُ بها مَيْدَانَ فكرة

ولما كان التخلص من دقائق الرياء ومخادع النفوس لا يكون في الغالب إلا بالفكرة ولا تتم الفكرة إلا بالعزلة ذكرها فقال

ما نَفَعَ القلبَ مثلُ عُزْلَةٍ يدخلُ بها مَيْدَانَ فكرة

النفع إيصال الفائدة
والقلب القوة المستعدة لقبول العلم
والعزلة إنفراد القلب بالله وقد يراد بها الخلوة التي هي إنفراد القالب عن الناس وهو المراد هنا إذ لا ينفرد القلب في الغالب إلا إذا إنفرد القالب

وميدان بالفتح والكسر في الميم مجال الخيل إستعير هنا للأفكار إذ ترددها في مواقعها كتردد الخيل في مجالها والفكرة سير القلب إلى حضرة الرب وهي على قسمين:
فكرة تصديق وإيمان وفكرة شهود وعيان على ما يأتي قلت لا شيء أنفع للقلب من عزلة مصحوبة بفكرة لأن العزلة كالحمية والفكرة كالدواء فلا ينفع الدواء من غير حمية ولا فائدة في الحمية من غير دواء فلا خير في عزلة لا فكرة فيها ولا نهوض لفكرة لا عزلة معها إذ المقصود من العزلة هو تفرغ القلبوالمقصود من التفرغ هو جولان القلب وإشتغال الفكرة والمقصود من إشتعال الفكرة تحصيل العلم وتمكنه من القلب وتمكن العلم بالله من القلب هو دواؤه وغاية صحته وهو الذي سماه الله القلب السليم
قال الله تعالى في شأن القيامة
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ . إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
أي صحيح وقد قالوا إن القلب كالمعدة إذا قويت عليها الأخلاط مرضت ولا ينفعها إلا الحمية وهي قلة موادها ومنعها من كثرة الأخلاط
وفي الحديث المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء
وكذلك القلب إذا قويت عليه الخواطر وأستحوذ عليه الحس مرض وربما مات ولا ينفعه إلا الحمية منها والفرار من مواطنها وهي الخلطة فإذا إعتزل عن الناس وإستعمل الفكرة نجح دواؤه وإستقام قلبه وإلا بقي سقيماً حتى يلقى الله بقلب سقيم بالشك والخواطر الرديئة نسأل الله العافية
قال الجنيد رضي الله عنه أشرف المجالس الجلوس مع الفكرة في ميدان التوحيد
وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه
ثمار العزلة الظفر بمواهب المنة وهي أربعة كشف الغطاء وتنزل الرحمة وتحقق المحبة ولسان الصدق في الكلمة
قال الله تعالى
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ

وأعلم أن في الخلوة عشر فوائد
الأولى السلامة من آفات اللسان فإن من كان وحده لا يجد معه من يتكلم وقد قال عليه السلام
” رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا تَكَلَّمَ فَغَنِمَ ، أَوْ سَكَتَ فَسَلِمَ ”
ولا يسلم في الغالب من آفاته إلا من آثر الخلوة على الإجتماع وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه
إذا رأيت الفقير يؤثر الخلوة على الإجتماع والصمت على الكلام والصيام على الشبع فأعلم أن كاسه قد ملاء وإذا رأيته يؤثر الخلطة والكلام والشبع على ضدها فأعلم أن كأسه خاوي
وقال في القوت: وفي كثرة الكلام قلة الورع وعدم التقوى وطول الحساب ونشر الكتاب وكثرة الطالبين وتعلق المظلومين بالظالمين وكثرة الإشهاد من الكرام الكاتبين ودوام الإعراض عن الملك الكريم لأن الكلام مفتاح كبائر اللسان وفيه الكذب وفيه الغيبة والنميمة والزور والبهتان
ثم قال وفي الخبر أكثر خطاياً ابن آدم في لسانه وأكثر الناس ذنوباً يوم القيامة أكثرهم خوضاً في مالاً يعني
الفائدة الثانية حفظ البصر والسلامة من آفات النظر فإن من كان معتزلاً عن الناس سلم من النظر إليهم وإلى ما هم منكبون عليه من زهرة الدنيا وزخرفها
قال تعالى
وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ
فتمنع بذلك النفس من التطلع إليها والإستشراف لها ومنافسة أهلها
وقال محمد بن سيرين رضي الله عنه إياك وفضول النظر فإنها تؤدي إلى فضول الشهوة

وقال بعض الأدباء من كثرت لحظاته دامت حسراته وقالوا أن العين سبب الحين أي الهلاك ومن أرسل طرفه أقتنص حتفه وأن النظر بالبصر إلى الأشياء يوجب تفرقة القلب
الفائدة الثالثة حفظ القلب وصوته عن الرياء والمداهنة وغيرهما من الأمراض قال بعض الحكماء من خالط الناس داراهم ومن داراهم راءاهم ومن راءاهم وقع فيما وقعوا فهلك كما هلكوا وقال بعض الصوفية قلت لبعض الأبدال المنقطعين إلى الله كيف الطريق إلى التحقيق قال لا تنظر إلى الخلق فإن النظر إليهم ظلمة قلت لا بد لي قال فلا تسمع كلامهم فإن كلامهم قسوة قلت لا بد لي قال فلا تعاملهم فإن معاملتهم خسران وحسرة ووحشة قلت أنا بين أظهرهم لا بد لي من معاملتهم قال فلا تسكن إليهم فإن السكون إليهم هلكة قلت هذا لعله يكون قال يا هذا تنظر إلى الاعبين وتسمع كلام الجاهلين وتعامل البطالين وتسكن إلى الهالكين وتريد أن تجد حلاوة الطاعة وقلبك مع غير الله هيهات هذا لا يكون أبداً ثم غاب عني
وقال القشيري رضي الله عنه
فأرباب المجاهدة إذا أرادوا صون قلوبهم عن الخواطر الرديئة لم ينظروا إلى المستحسنات أي من الدنيا قال وهذا أصل كبير لهم في المجاهدات في أحوال الرياضة
الفائدة الرابعة حصول الزهد في الدنيا والقناعة منها وفي ذلك شرف العبد وكماله وسبب محبته عند مولاه
لقوله صلى الله عليه وسلم أزهد في الدنيا يحبك الله أزهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس
ولا شك أن من انفرد عن الناس ولم ينظر إلى ما هم فيه من الرغبة في الدنيا والإنكباب عليها يسلم من متابعتهم في ذلك ويسلم من متابعة الطباع الرديئة والأخلاق الدنيئة وقل من يخالطهم أن يسلم من ما هم فيه
وقد روي عن عيسى عليه السلام لا تجالسوا الموتي فتموت قلوبكم قالوا من الموتى يا روح الله قال المحبون في الدنيا الراغبون فيها
الفائدة الخامسة السلامة من صحبة الأشرار ومخالطة الأرذال وفي مخالطتهم فساد عظيم وخطر جسيم وفي معنى الحديث مثل الجليس السوء كمثل الكير إذا لم يحرقك بشرره علق بك من ريحه
وقال سيدي عبد الرحمن المجذوب رضي الله عنه الجلسة مع غير الأخيار ترذل ولو تكون صافياً
أوحى الله تعالى إلى داوود عليه السلام يا داوود مالي أراك منتبذاً وحدانياً فقال إلهي قليت الخلق من أجلك فقال يا داوود كن يقظان وأرتد لنفسك أخواناً وكل أخ لا يوافقك على مسرتي فلا تصحبه فإنه لك عدو يقسي قلبك ويباعدك مني
فإن أردت الصحبة فعليك بصحبة الصوفية فإن صحبتهم كنز لأنفاد له
قال الجنيد رضي الله عنه
إذا أراد الله لعبد خيراً أوقعه إلى الصوفية ومنعه صحبة القراء وقال آخر والله ما أفلح من أفلح إلا بصحبة من أفلح
الفائدة السادسة التفرغ للعبادة والذكر والعزم على التقوى والبر ولا شك أن العبد إذا كان وحده تفرغ لعبادة ربه وأنجمع عليها بجوارحه وقلبه لقلة من يشغله عن ذلكقال في القوت :وأما الخلوة فأنها تفرغ القلب من الخلق وتجمع الهم بالخالق وتقوي العزم على الثبات ألخ كلامه
الفائدة السابعة وجدان حلاوة الطاعات وتمكن لذيذ المناجات لفراغ سره وهذا مجرب صحيح
قال أبو طالب ولا يكون المريد صادقاً حتى يجد في الخلوة من الحلاوة والنشاط والقوة ما لا يجده في العلانية وحتى يكون أنسه في الوحدة وروحه في الخلوة وأحسن أعماله في السر
الفائدة الثامنة راحة القلب والبدن فإن في مخالطة الناس ما يوجب تعب القلب بالإهتمام بأمرهم وتعب البدن بالسعي في أغراضهم وتكميل مرادهم وإن كان في ذلك الثواب فقد يفوته ما هو أعظم وأهم وهو جمع القلب في حضرة الرب
الفائدة التاسعة صيانة نفسه ودينه من التعرض لشرور والخصومات التي توجبها الخلطة فإن للنفس تولعاً وتسارعاً للخوض في مثل هذا إذا اجتمعت بأرباب الدنيا وزاحمتهم فيها وللشافعي رضي الله عنه

ومن يذق الدنيا فإني طعمتـهـا
وسيق إلى عذبها وعـذابـهـا
فلم أرها إلا غروراً وبـاطـلاً
كما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي إلا جيفة مسـتـحـيلة
عليها كلاب همهن أجتذابـهـا
فإن تجتنبها عشت سلماً لأهلهـا
وأن تجتذبها ناهشتك كلابـهـا
فطوبي لنفس أوطأت قعر بيتهـا
مغلقة الأبواب مرخي حجابهـا

الفائدة العاشرة التمكن من عبادة التفكر والإعتبار وهو المقصود الأعظم من الخلوة وفي الخبر تفكر ساعة خير من عبادة سبعين سنة وكان عيسى عليه السلام يقول:
طوبي لمن كان كلامه ذكراً وصمته تفكراً ونظره عبرة، وأن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، وقال كعب من أراد شرف الآخرة فليكثر من التفكر وكان أفضل عبادة أبي الدرداء التفكر وذلك لأنه يصل به إلى حقائق الأشياء وتبيين الحق من الباطل ويطلع بها أيضاً على خفايا آفات النفوس ومكائدها وغرور الدنيا ويتعرف بها وجوه الحيل في التحرز عنها والطهارة منها
قال الحسن رضي الله عنه الفكرة مرآة تريك حسنك من سيئك ويطلع بها أيضاً على عظمة الله وجلاله إذا تفكر في آياته ومصنوعاته ويطلع بها أيضاً على آلائه ونعمائه الجلية والخفية فيستفيد بذلك أحوالاً سنية يزول بها مرض قلبه ويستقيم بها على طاعة ربه
قاله الشيخ ابن عباد رضي الله عنه فهذه ثمرات عزلة أهل البداية وأما أهل النهاية فعزلتهم مصحوبة معهم ولو كانوا وسط الخلق لأنهم أقوياء رضي الله عنهم محجوبون بالجمع عن الفرق وبالمعنى عن الحس استوي عندهم الخلوة والخلطة لأنهم يأخذون النصيب من كل شيء ولا يأخذ النصيب منهم شيئاً
وفي هذا المعنى قال شيخ شيوخنا المجذوب رضي الله عنه
الخلق نوار وأنا أرعيت فـيهـم هم الحجب الأكبر والمدخل فيهم
فإن أضاف المريد إلى العزلة الصمت والجوع والسهر فقد كملت ولايته وظهرت عنايته وأشرقت عليه الأنوار وأنمحت من مرآة قلبه صور الأغيار
الفاتحه
امين