الحكم العطائيه الحكمه 14

الحكم العطائيه الحكمه 14

الكونُ كلُّه ظُلْمةٌ وإنَّما أنارَهُ ظهورُ الحقِّ فيه فمن رأى الكونَ ولم يشهدُهُ فيه أو عنده أو قَبْلَه أو بَعْدَه فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوارِ وحُجبَتْ عنه شموسُ المعارفِ بسُحُبِ الآثار

قال العارف رضي الله عنه :

الكونُ كلُّه ظُلْمةٌ وإنَّما أنارَهُ ظهورُ الحقِّ فيه فمن رأى الكونَ ولم يشهدُهُ فيه أو عنده أو قَبْلَه أو بَعْدَه فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوارِ وحُجبَتْ عنه شموسُ المعارفِ بسُحُبِ الآثار

أي أن الكون بالنظر إلى ذاته كلُّه ظلمة أي عدم محض لأنه لا وجود له بذاته وإنما أناره أي أوجده ظهورُ الحق تعالى فيه أي ظهور إيجاد وتعريف لا ظهور حلول وتكييف بمعنى أنه تجلى عليه بذاته وقال له كن فكان وهو قادر على إعدامه في الحال والاستقبال فليس ثمَّ إلا مبدع الأكوان

ثم أن من الناس مَنْ حجبه الكونُ أي المكونات عن المكون تعالى فلم يشهده سبحانه أي فلم يشاهد تأثيره فيه وهو الذي قد أعوزه أي فاته وجود الأنوار فصار محتاجاً لها لفقدها عندهوحجبت أي غابت عنه شموس المعارف أي المعارف التي هي كالشموس في إظهار الأشياء والكشف عن

حقائقها فإضافة شموس إلى المعارف من إضافة المشبه به للمشبه كإضافة سحب إلى الآثار أي الآثار – جمع أثر – بمعنى المكوَّنات الشبيهة بالسُّحب بضمتين جمع سحاب قد منعتْ عنه المعارف الشبيهة بالشموس الكاشفة عنه الحقائق الموصلة إلى حضرة القدوس ومن الناس من لم يحجبه الكون عن المكوِّن سبحانه وتعالى بل شهده فيه بتأثيره وعنده بحفظه وتدبيره وهؤلاء الذين يشهدون الأثر والمؤثر معاً . ومنهم من شهده قبله وهم الذين يستدلون بالمؤثر على الأثر . ومنهم من شهده بعده وهم الذين يستدلون بالأثر على المؤثِّر وهذه الظروف المذكورة في كلام المصنف ليست زمانية ولا مكانية فإن الظروف من جملة الأكوان بل هي اصطلاحات ليس المراد منها ظاهرها عند ذوي العرفان وإنما تدرك بالذوق لا بالتعبير . فقف عند حدك وتمسك
بقوله تعالى :
{ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ } ( 11 ) الشورى

شرح ابن عجيبه

من كتاب
إيقاظ الهمم في شرح الحكم

الحكمه الرابعه عشر
الكونُ كلُّه ظُلْمةٌ وإنَّما أنارَهُ ظهورُ الحقِّ فيه فمن رأى الكونَ ولم يشهدُهُ فيه أو عنده أو قَبْلَه أو بَعْدَه فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوارِ وحُجبَتْ عنه شموسُ المعارفِ بسُحُبِ الآثار
قال العارف رضي الله عنه :
الكونُ كلُّه ظُلْمةٌ وإنَّما أنارَهُ ظهورُ الحقِّ فيه

الكون ما كونته القدرة وأظهرته للعيان
والظلمة ضد النور وهي عدمية والنور وجودي
وأناره أي صيره نوراً
وظهور الحق تجليه
قلت الكون من حيث كونيته وظهور حسه كله ظلمة لأنه حجاب لمن وقف مع ظاهره عن شهود ربه ولأنه سحاب يغطي شمس المعاني لمن وقف مع ظاهر حس الأواني
وإليه أشار الششتري بقوله لا تنظر إلى الأواني، وخض بحر المعاني، لعلك تراني،
فصار الكون بهذا الإعتبار كله ظلمة وإنما أناره تجلي الحق به وظهوره فيه فمن نظر إلى ظاهر حسه رآه حساً ظلمانياً ومن نفذ إلى باطنه رآه نوراً ملكوتياً
قال الله تعالى
“اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ”
فتحصل أن قول الشيخ الكون كله ظلمة إنما هو في حق أهل الحجاب لإنطباع ظاهر صور الأكوان في مرآة قلوبهم وأما أهل العرفان فقد نفذت بصيرتهم إلى شهود الحق فرأوا الكون نوراً فائضاً من بحر الجبروت فصار الكون عندهم كله نوراً
قال الله تعالى
“قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ “
أي من نور ملكوته وأسرار جبروته أو من أسرار المعاني القائمة بالأواني
وقال رسول الله صل الله عليه وسلم إن الله أحتجب عن أهل السماء كما أحتجب عن أهل الأرض وأن أهل الملأ الأعلى ليطلبونه كما تطلبونه أنتم وأنه ما حل في شيء ولا غاب عن شيء
وهذه المعاني إنما هي أذواق لا تدرك بالعقل ولا بنقل الأوراق وإنما تدرك بصحبة أهل الأذواق فسلم ولا تنتقد، إن لم تر الهلال فسلم، لأناس رواه بالأبصار،
ثم قسم الناس في شهود الحق على ثلاثة أقسام عموم وخصوص وخصوص الخصوص فقال فمن رأى الكونَ ولم يشهدُهُ فيه أو عنده أو قَبْلَه أو بَعْدَه فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوارِ وحُجبَتْ عنه شموسُ المعارفِ بسُحُبِ الآثار
فأهل مقام البقاء يشهدون الحق بمجرد وقوع بصرهم على الكون فهم يثبتون الأثر بالله ولا يشهدون بسواه إلا أنهم لكمالهم يثبتون الواسطة والموسوطة فهم يشهدون الحق بمجرد شهود الواسطة أو عندها بلا تقديم ولا تأخير ولا ظرفية ولا مظروف
مذ عرفت الإله لم أر غيراً وكذا الغير عندنا ممنـوع

وقال الشيخ مولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عنه لأبي الحسن رضي الله عنه
يا أبا الحسن حدد بصر الإيمان تجد الله في كل شيء وعند كل شيء ومع كل شيء وقبل كل شيء وبعد كل شيء وفوق كل شيء وتحت كل شيء وقريباً من كل شيء ومحيطاً بكل شيء بقرب هو وصفه وبحيطة هي نعته وعد عن الظرفية والحدود وعن الأماكن والجهات وعن الصحبة والقرب بالمسافات وعن الدور بالمخلوقات وأمحق الكل بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن وهو هو هو كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما عليه كان
وقال بعضهم ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله فيه ولم أره حديثاً وإنما هو من قول بعض العارفين فأهل السير من المريدين يشهدون الكون ثم يشهدون المكون عنده وبأثره فيمتحق الكون من نظرهم بمجرد نظرهم إليه
وهذا حال المستشرفين وأهل مقام الفناء يشهدون الحق قبل شهود الخلق بمعنى أنهم لا يرون الخلق أصلاً إذ لا ثبوت له عندهم لأنهم لسكرتهم غائبون عن الواسطة فانون عن الحكمة غرقي في بحر الأنوار مطموس عليهم الآثار وفي هذا المقام قال بعضهم
ما رأيت شيئاً إلا رأيت الله قبله
وأهل الحجاب من أهل الدليل والبرهان إنما يشهدون الكون ولا يشهدون المكون لا قبله ولا بعده إنما يستدلون على وجوده بوجود الكون وهذا لعامة المسلمين من أهل اليمين قد أعوزهم أي فاتهم وجود الأنوار ومنعوا منها وحجبت عنهم شموس المعارف بسحب الآثار بعد طلوعها وأشراق نورها لكن لا بد للشمس من سحاب وللحسناء من نقاب ولله در القائل
وما أحتجبت إلا برفع حجابها ومن عجب أن الظهور تستر
وقال آخر
لقد ظهرت فلا تخفي على أحد إلا على أكمه لا يبصر القمرا
لكن بطنت بما أظهرت محتجباً وكيف يعرف من بالعزة أستترا
الفاتحه
امين