الحكم العطائيه الحكمه 15

الحكم العطائيه الحكمه 15

مما يَدُلُّك على وُجُودِ قَهْرِه سبحانه أن حَجَبَك عنه بما ليس بموجودٍ معه

قال العارف رضي الله عنه :

مما يَدُلُّك على وُجُودِ قَهْرِه سبحانه أن حَجَبَك عنه بما ليس بموجودٍ معه

أي ما يدلك – أيها المريد – على أنه سبحانه القاهر فوق عباده أن حجبك بفتح همزة أن المصدرية المنسكبة مع ما بعدها بمصدر أي حجبك عنه تعالى بالكون الذي ليس بموجود معه لأنك قد علمت أنه ظلمة أي عدم محض من حيث ذاته . فالوجود الحقيقي إنما هو لله تعالى وما سواه لا يوصف عند العارفين بوجود ولا فقد إذ لا يوجد معه غيره لثبوت أحدِيَّتِهِ ولا يفقد إلا ما وجد . وقال سيدي أبو الحسن الشاذلي : إنا لننظر إلى الله تعالى بنظر الإيمان والإيقان فيغنينا ذلك عن الدليل والبرهان ونستدل به على الخلق فإنه ليس في الوجود إلا الواحد الحق فلا نراهم وإن كان ولا بد فنراهم كالهباء في الهواء أن فتشتهم لم تجدهم شيئاً
وقال سيدي محي الدين بن العربي : من شهد الخَلْق لا فِعْل لهم فقد فاز ومن شهدهم لا حياة لهم فقد حاز ومن شهدهم عين العدم فقد وصل ومما قيل في هذا المعنى :
من أبصرَ الخلْق كالسراب فقد ترَقَّى عن الحجابِ
إلى وجود يراه رَتْقَاً بلا ابتعادٍ و لا اقترابِ
ولم يشاهدْ به سِوَاه هناك يُهدى إلى الصَّوابِ
فارفع – أيها المريد – عنك هذا الحجاب واجعل تعلقك برب الأرباب . فإن كل شيء هالك إلا وجهه . ولا يضمن لك الوصول إلى الله إلا هذه الوجهة

شرح ابن عجيبه

من كتاب
إيقاظ الهمم في شرح الحكم

الحكمه الخامسه عشر
مما يَدُلُّك على وُجُودِ قَهْرِه سبحانه أن حَجَبَك عنه بما ليس بموجودٍ معه

قلت من أسمائه تعالى القهار ومن مظاهر قهره إحتجابه في ظهوره وظهوره في بطونه وبطونه في ظهوره ومما يدلك أيضاً على وجود قهره أن إحتجب بلا حجاب وقرب بلا إقتراب بعيد في قربه قريب في بعده إحتجب عن خلقه في حال ظهوره لهم وظهر لهم في حال إحتجابه عنهم فاحتجب عنهم بشيء ليس بموجود وهو الوهم والوهم أمر عدمي مفقود فما حجبه إلا شدة ظهوره وما منع الأبصار من رؤيته إلا قهارية نوره فتحصل إنفراد الحق بالوجود وليس مع الله موجود
قال تعالى
كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ
واسم الفاعل حقيقة في الحال
وقال تعالى
هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ
وقال تعالى
فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
وقال تعالى
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ۚ
وقال تعالى
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ ۚ
وقال تعالى
وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى
وقال تعالى
إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ
وقال صل الله عليه وسلم
أفضل كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد،
ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكل نعيم لا محالة زائل،
و قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْنِي قَالَ يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي يَا ابْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي
فدل الحديث على أن هذه الهياكل والأشخاص خيالات لا حقيقة لها فهي أشبه شيء بالظلال
قال الششتري رضي الله عنه

الخلق خلقكم والأمـر أمـركـم
فأي شيء أنا لكنت من ظـلـل
ما للحجاب مكان في وجـودكـم
إلا بسر حروف أنظر إلى الجبل
أنتم دللتم عليكم منـكـم ولـكـم
ديمومة عبرت عن غامض الأزل
وقد عرفت بكم هذا الخـبـير بـكـم
أنتم هم يا حياة القلب يا أمـلـي

قوله الخلق خلقكم ألخ المراد بالخلق صور الأشباح وبالأمر سر الأرواح أي الأشباح حكمتكم والأرواح سر من أسراركم فأنا لا وجود لي أصلاً فأي شيء قدرت نفسي وجدتها لكم ومظهراً من مظاهركم وإنما أنا ظلل من ظلل وجودكم
ثم قال ما للحجاب مكان في وجودكم أي لا موضع للحجاب الحسي في وجودكم إذ لو كان للحجاب مكان في وجودكم لكان أقرب إلينا منكم وهو محال لأنك قلت
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ

وقوله إلا بسر حروف إلخ الإستثناء منقطع أي لا موضع للحجاب الحسي بيننا وبينكم لكن حجاب القهرية ورداء العزة والكبرياء هو الذي منع الأبصار من رؤية نوركم الأصلي الجبروتي إذ لو ظهر ذلك النور لأضمحلت المكونات ولا أحترقت من نور السبحات ولهذا السر أمر الله سيدنا موسى عليه السلام حين طلب الرؤية بالنظر إلى الجبل لما أراد الله تعالى أن يتجلى له بشيء من ذلك النور فلما لم يثبت الجبل لشيء قليل منه علمناً أنه لا طاقة للعبد الضعيف في هذه الدار على رؤية الواحد القهار إلا بواسطة الأكوان الكثيفة بعد أن نشر عليها الأردية المعنوية وهذا معنى قوله إلا بسر حروف أنظر إلى الجبل أي الا بحجاب القهرية المفهوم من سر قوله تعالى
انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
أو إلا حجاباً ملتبساً بسر الحكمة المفهوم من قوله تعالى
انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ

وكأنه تعالى يقول يا موسى لن تقدر أن تراني من غير حجاب الحكمة ولكن أنظر إلى الجبل فإن أطاق ذلك فسوف تراني أنت فلما تجلى له الحق تعالى من غير واسطة الحس جعله دكاء والله تعالى أعلم
وقال أيضاً في هذا المعنى

أنا شيء عجيب لمـن رآنـــي
وأنا المحب والحبيب ليس ثـم ثـانـي
يا قاصداً عين الخبرغطـاه أينـــك
الخمر منك والخبر والسـر عـنـدك
أرجع لذاتك وأعتبرما ثـم غــيرك

فقوله يا قاصداً عين الخبر أي عين خبر التحقيق وقوله غطاه أينك أي مكان وجودك الوهمي إذ لو غبت عن وجودك لوقعت على عين التحقيق وقوله الخمر منك أي شربة خمرة المحبة منك وهذا كما قال، مني علي دارت كؤسي، وقوله والخبر أي والخبر عن عين التحقيق منك أيضاً وسر الربوبية عندك لأنك كنز مطلسم
وقد أتفقت على هذا المعني مقالات العارفين ومواجيد المحبين وأشعارهم كل على قدر ذوقه وشربه جزاهم الله عنا وعن المسلمين خيراً ولا يفهم هذه العبارات إلا أهل الأذواق والإشارات وحسب من لم يبلغ لها فهمه ولم يحط بها علمه أن يسلم ويكل فهمها إلى أربابها وليعتقد كمال التنزيه وبطلان التشبيهلأن هذه المعاني أذواق لا تنال إلا بصحبة أهل الأذواق
الفاتحه
امين