الحكم العطائيه الحكمه 3

الحكم العطائيه الحكمه 3

الحكمه الثالثه
سَوابِقُ الهِمَمِ لا تَخْرِقُ أَسْوارَ الأَقْدَارِ

قال العارف رضي الله عنه :

سَوابِقُ الهِمَمِ لا تَخْرِقُ أَسْوارَ الأَقْدَارِ
هذه الحكمة كالتعليل لما قبلها وتوطئة لما بعدها . يعني أن ما قدره الله في الأزل لا تَخْرِقُ أسوارَه المحيطة به – فضلاَ عن أن تصل إليه – سوابقُ الهمم أي لهمم السوابق وهي قوى النفس التي تنفعل عنها الأشياء بإرادة الله تعالى وتكون للولي كرامة ولغيره كالساحر والعائن إهانة . وفيه تشبيه الأقدار بمدينة لها أسوار في الصيانة والحفظ على سبيل المكنية . أي وجب عليك – أيها المريد – أن تعتقد أن الهمم أسباب عادية لا تأثير لها وما ينشأ عنها إنما هو بقضاء الله تعالى وقدره فيكون عندها لا بها . فإرادتك خلاف ما أراده مولاك لا تجدي نفعاً ولا تأثيراً لها في الحقيقة حتى تظن أنها توجب لك رفعاً

شرح ابن عجيبه
من كتاب
إيقاظ الهمم في شرح الحكم

الحكمه الثالثه
سَوابِقُ الهِمَمِ لا تَخْرِقُ أَسْوارَ الأَقْدَارِ

ولما كانت همة الفقير المتجرد لا تخطيء في الغالب
لقوله عليه السلام أن لله رجالاً لو أقسموا على الله لا برهم في قسمهم
قال شيخنا ولله رجال إذا إهتموا بالشيء كان بإذن الله
وقال أيضاً عليه السلام أتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله
خشى الشيخ أن يتوهم أحد أن الهمة تخرق سور القدر وتفعل ما لم يجر به القضاء والقدر فرفع ذلك بقوله

سَوابِقُ الهِمَمِ لا تَخْرِقُ أَسْوارَ الأَقْدَارِ

قلت السوابق جمع سابقة وهي المتقدمة والهمم جمع همة والهمة قوة انبعاث القلب في طلب الشيء والإهتمام به فإن كان ذلك الأمر رفيعاً كمعرفة الله وطلب رضاه سميت همة عالية وإن أمراً خسيساً كطلب الدنيا وحظوظها سميت همة دنية وسوابق الهمم من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الهمم السوابق لا تخرق أسوار الأقدار أي إذا اهتم العارف أو المريد بشيء وقويت همته بذلك فإن الله تعالى يكون ذلك بقدرته في ساعة واحدة حتى يكون أمره بأمر الله
وكان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه يقول
المريد الصادق إذا كان فانياً في الإسم مهما اهتم بالشيء كان وإن كان فانيا في الذات تكون الشيء الذي يحتاجه قبل أن يهتم به أو كلام هذا معناه وهو صحيح
وفي بعض الأخبار انه جاء في الأثر : ” { يا عبدي أنا أقول للشيء كن فيكون أطعني أجعلك تقول للشيء كن فيكون } أيضاً فإذا أحببته كنت له سمعاً وبصراً ويداً ومؤيداً إن سألني أعطيته الحديث ومع ذلك لا ينفصل بذلك ولا يتكون إلا ما أحاط به قدر الله وقضاؤه فهمة العارف تتوجه للشيء فإن وجدت القضاء سبق به كان ذلك بإذن الله وإن وجدت سور القدر مضروباً عليه لا تخرقه بل تتأدب معه وترجع لوصفها وهي العبودية فلا تتأسف ولا تحزن بل ربما تفرح لرجوعها لمحلها وتحققها بوصفها وقد كان شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه يقول
نحن إذا قلنا شيئاً فخرج فرحنا مرة واحدة وإذا لم يخرج فرحنا عشر مرات وذلك لتحققه بمعرفة الله

قيل لبعضهم
بماذا عرفت ربك قال بنقض العزائم
وقد يحصل هذا التأثير للهمة القوية وإن كان صاحبها ناقصاً كما يقع للعاين والساحر عن خبثهما أو لخاصية جعلها الله فيها إذا نظرا لشيء بقصد انفعل ذلك بإذن الله وهذا كله أيضاً لا يخرق أسوار الأقدار بل لا يكون إلا ما أراد الواحد القهار قال تعالى
“وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ
وقال تعالى
إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ
وقال تعالى
“‏‏وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ”

وقال صل الله عليه وسلم
كل شيء بقضاء وقدر حتى العجز والكيس

أي النشاط للفعل وأشعر قوله سوابق أن الهمم الضعيفة لا ينفعل لها شيء وهو كذلك في الخير والشر وفي أستعارته الخرق والأسوار ما يشعر بالقوة في الجانبين لكن الحاصر قاهر فلا عبرة بقوة العبد القاصر
الفاتحه
امين