الحكم العطائيه الحكمه 4

الحكم العطائيه الحكمه 4

الحكمه الرابعه
أرِحْ نَفْسَكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فما قامَ بهِ غيرُكَ عنْكَ لا تَقُم بهِ لنفسِكَ

قال العارف رضي الله عنه :

أرِحْ نَفْسَكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فما قامَ بهِ غيرُكَ عنْكَ لا تَقُم بهِ لنفسِكَ

يعني : أرح نفسك من تعب التدبير المنافي للعبودية بأن تقول : لولا

فعلت كذا ما كان كذا فإن الله تعالى دبر الأشياء في سابق علمه وما قام به غيرك عنك لا تقوم به لنفسك فإنك عاجز عن القيام به . وأما التدبير المصحوب بالتفويض للعليم الخبير فلا بأس به لقوله صل الله عليه و سلم : ” التدبير نصف المعيشة ” وللمصنف كتاب سماه ( التنوير في إسقاط التدبير ) راجعه أن شئت . فإن هذه المسألة أساس طريق القوم

شرح ابن عجيبه

من كتاب

إيقاظ الهمم في شرح الحكم

الحكمه الرابعه

أرِحْ نَفْسَكَ مِنَ التَّدْبِيرِ فما قامَ بهِ غيرُكَ عنْكَ لا تَقُم بهِ لنفسِكَ

 

قلت :التدبير في اللغة: هو النظر في الأمور وأواخرها

وفي الإصطلاح: هو كما قال الشيخ زروق رضي الله عنه تقدير شؤون يكون عليها في المستقبل بما يخاف أو يرجى بالحكم لا بالتفويض فإن كان مع تفويض وهو أخروي فنية خير أو طبيعي فشهوة أو دنيوي فأمنية

فأقتضى كلامه أن التدبير على ثلاثة أقسام:
مذموم وقسم مطلوب وقسم مباح
فأما القسم المذموم: فهو الذي يصحبه الجزم والتصميم سواء كان دينياً أو دنيوياً لما فيه من قلة الأدب وما يتعجله لنفسه من التعب إذ ما قام به الحي القيوم عنك لا تقوم به أنت عن نفسك وغالب ما تدبره لنفسك لا تساعده رياح الأقدار، وتعقبه الهموم والأكدار، ولذلك قال: أحمد بن مسروق من ترك التدبير فهو في راحة وقال سهل ابن عبد الله ذروا التدبير والإختيار فإنهما يكدران على الناس عيشهم وقال رسول الله صل الله عليه وسلم أن الله جعل الروح والراحة في الرضى واليقين وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه لا تختر من أمرك شيئاً وأختر أن لا تختار وفر من ذلك المختار ومن فرارك ومن كل شيء إلى الله تعالى “وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ” وقال: أيضاً إن كان ولا بد من التدبير فدبر أن لا تدبر وقيل من لم يدبر دبر له وقال شيخ شيوخنا سيدي علي رضي الله عنه من أوصاف الولي الكامل أن لا يكون محتاجاً إلا إلى الحال الذي يقيمه مولاه في الوقت يعني ماله مراد إلا ما يبرز من عنصر القدرة
فكلام هؤلاء السادات محمول على ما إذا كان بالنفس مع الجزم وأما ما كان مع التفويض فليس بمذموم ما لم يطل
وأما القسم المطلوب: فهو تدبير ما كلفت به من الواجبات وما ندبت إليه من الطاعات مع تفويض المشيئة والنظر إلى القدرة وهذا يسمى النية الصالحة وقد قال عليه السلام نية المؤمن خير من عمله و قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ الله عَزّ وَجَلّ: إِذَا هَمّ عَبْدِي بِسَيّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيّئَةً، وَإِذَا هَمّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً. فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرا“.
وهذا مفهوم قول الشيخ فما قام به غيرك إذ مفهومه إن ما لم يقم به عنك وهو الطاعة لا يضرك تدبيره ولذلك قال إبراهيم الخواص رضي الله عنه العلم كله في كلمتين لا تتكلف ما كفيت ولا تضيع ما استكفيت
فقوله لا تتكلف ما كفيت هو القسم الأول المذموم وقوله ولا تضيع ما استكفيت هو القسم الثاني المطلوب وقال الشيخ أبو الحسن رضي الله عنه وكل مختارات الشرع وترتيباته ليس لك منه شيء إنما هو مختار الله لك وأسمع وأطع وهذا محل الفقه الرباني والعلم الألهامي وهو أرض لتنزل علم الحقيقة المأخوذة عن الله تعالى لمن استوى وقوله لمن استوى أي كمل عقله وتمت معرفته واستوت حقيقته مع شريعته لكن لا ينبغي الإسترسال معه فيشغله عن الله
وأما القسم المباح فهو التدبير في أمر دنيوي أو طبيعي مع التفويض للمشيئة والنظر لما يبرز من القدرة غير معول على شيء من ذلك وعليه يحمل قوله صل الله عليه وسلم التدبير نصف العيش بشرط أن لا يردده المرة بعد المرة فالقدر المباح منه هو مروره على القلب كالريح يدخل من طبق ويخرج من أخرى وهذا هو التدبير بالله وهو شأن العارفين المحققين
وعلامة كونه بالله أنه إذا برز من القدرة عكس ما دبر لم ينقبض ولم يضطرب بل يكون كما قال الشاعر

 

سلم لسلمي وسـر حـيث سـارت وأتبع رياح القضاء در حيث دارت

وقال في التنوير: فائدة إعلم أن الأشياء إنما تذم وتمدح بما تؤدي إليه فالتدبير المذموم ما شغلك عن الله وعطلك عن القيام بخدمة الله وصدك عن معاملة الله والتدبير المحمود هو الذي يؤديك إلى القرب من الله ويوصلك إلى مرضاة الله
إنظر بقية كلامه فهذا تحرير ما ظهر لي في شأن التدبير وقد ألف الشيخ رضي الله عنه فيه كتاباً سماه التنوير في أسقاط التدبير أحسن فيه وأجاد ومرجعه إلى ما ذكرنا والله تعالى أعلم ولما كمله أطلع عليه الولي الكامل سيدي ياقوت العرشي فلما طالعه قال له جميع ما قلت مجموع في بيتين وهما هاتان :

ما ثـم إلا مـــا أراد فأترك همومك وأنطرح

وأترك شواغلك الـتـي شغلت بها تـسـتـرح

الفاتحه
امين