الحكم العطائيه الحكمه 8

الحكم العطائيه الحكمه 8

الحكمه الثامنه

إذا فتحَ لكَ وِجْهةً من التَّعرُّفِ فلا تبالِ معها أن قلَّ عملُكَ فإنه ما فَتَحَها لك إلا وهو يريد أن يتعرَّفَ إليكَ . ألم تعلم أن التَّعَرُّفَ هو مُورِدُهُ عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورِدُهُ عليكَ

قال العارف رضي الله عنه :
إذا فتحَ لكَ وِجْهةً من التَّعرُّفِ فلا تبالِ معها أن قلَّ عملُكَ فإنه ما فَتَحَها لك إلا وهو يريد أن يتعرَّفَ إليكَ . ألم تعلم أن التَّعَرُّفَ هو مُورِدُهُ عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورِدُهُ عليكَ

يعني إذا فتح لك الفتاح – أيها المريد – وجهة أي جهة من جهات التعرف وتلك الجهة كالأمراض والبلايا والفاقات فإنها سبب لمعرفة الله تعالى بصفاتهكاللطف والقهر وغيرهما . والمخاطب بذلك المتيقظ دون المرتبك في حبال الغفلة الذي يسخط عند نزولها . فلا تبال معها أيها المريد أن قل عملك أي بقلة عملك – فهمزة أن مفتوحة منسكبة مع ما بعدها بمصدر مجرور بالباء المقدرة المتعلقة بتبال – أي لا تغتمَّ مع تلك الجهة ولا تهتم بقلة الأعمال .

فإن الله تعالى يقول في الحديث القدسي :

” إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عواده أنشطته من عقالي وأبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وليستأنف العمل ” .

يعني أنه يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ولا يحاسب على الأعمال السيئة السالفة . وورد : أن الله تعالى يقول للكرام الكاتبين عند مرض عبده المؤمن :

” اكتبوا لعبدي ما كان يعمل صحيحاً مقيماً “
فصح أنه ما فتحها أي تلك الجهة لك إلا وهو يريد أن يتعرف إليك بواسع فضله عليك . ولا شك أن هذا أعظم من كثرة الأعمال التي تطالب بوجود سر الإخلاص فيها . كما أشار إلى ذلك بالاستفهام التقريري بقوله : ألم تعلم أن التعرف هو مورده عليك . . . الخ
شرح ابن عجيبه

من كتاب

إيقاظ الهمم في شرح الحكم

الحكمه الثامنه

إذا فتحَ لكَ وِجْهةً من التَّعرُّفِ فلا تبالِ معها أن قلَّ عملُكَ فإنه ما فَتَحَها لك إلا وهو يريد أن يتعرَّفَ إليكَ . ألم تعلم أن التَّعَرُّفَ هو مُورِدُهُ عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورِدُهُ عليكَ

ولما كانت التعرفات القهرية ظاهرها جلال وباطنها جمال لما يعقبها من أوصاف الكمال وربما يشك المريد فيما وعد الحق عليها من الخيرات وما رتب عليها من الفتوحات نبه الشيخ على ذلك فقال

إذا فتحَ لكَ وِجْهةً من التَّعرُّفِ فلا تبالِ معها أن قلَّ عملُكَ فإنه ما فَتَحَها لك إلا وهو يريد أن يتعرَّفَ إليكَ . ألم تعلم أن التَّعَرُّفَ هو مُورِدُهُ عليك والأعمال أنت مهديها إليه وأين ما تُهديه إليه مما هو مُورِدُهُ عليكَ

فتح هنا بمعنى هيأ ويسر والغالب إستعماله في الخير فأشع الإتيان به هنا أن جهة التعريف من الأمور الجميلة
والوجهة هي الجهة والمراد هنا الباب والمدخل
والتعرف طلب المعرفة تقول تعرف لي فلان إذا طلب مني معرفته والمعرفة تمكن حقيقة العلم بالمعروف من القلب حتى لا يمكن الإنفكاك عنه بحل
والمبالاة التهمم بفوات الشيء
قلت إذا تجلى لك الحق تعالى بإسمه الجليل أو بإسمه القهار وفتح لك منها باباً ووجهة لتعرفه منها فإعلم أن الله تعالى قد أعتنى بك وأراد أن يجتبيك لقربهويصطفيك لحضرته فإلتزم الأدب معه بالرضي والتسليم وقابله بالفرح والسرور ولا تبال بما يفوتك بها معها من الأعمال البدنية فإنما هي وسيلة للأعمال القلبية فإنه ما فتح هذا الباب إلا وهو يريد أن يرفع بينك وبينه الحجاب ألم تعلم أن التعرفات الجلالية هو الذي أوردها عليك لتكون عليه وارداً والأعمال البدنية أنت مهديها إليه لتكون إليه بها واصلاً وفرق كبير بين ما تهديه أنت من الأعمال المدخولة والأحوال المعلولة وبين ما يورده عليك الحق تعالى من تحف المعارف الربانية والعلوم اللدنية فطب نفساً أيها المريد بما ينزل عليك من هذه التعرفات الجلالية والنوازل القهرية ومثل ذلك كالأمراض والأوجاع والشدائد والأهوال وكل ما يثقل على النفس ويؤلمها كالفقر والذل وأذية الخلق وغير ذلك مما تكرهه النفوس فكل ما ينزل بك من هذه الأمور فهي نعم كبيرة ومواهب غزيرة تدل على قوة صدقك إذ بقدر ما يعظم الصدق يعظم التعرف
” أشدكم بلاء الأنبياء فالأمثل فالأمثل”
والصدق متبوع وإذا أراد الله أن يطوي مسافة البعد بينه وبين عبده سلط عليه البلاء حتى إذا تخلص وتشحر صلح للحضرة كما تصفي الفضة والذهب بالنار لتصلح لخزانة الملك وما زالت الشيوخ والعارفون يفرحون بهذه النوازل ويستعدون لها في كسب المواهب
كان شيخ شيوخنا سيدي على العمراني رضي الله عنه
يسميها ليلة القدر ويقول كل الحيزة هي ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وذلك لأجل ما يجتنيه العبد منها من أعمال القلوب التي الذرة منها أفضل من أمثال الجبال من أعمال الجوارح وقد قلت في ذلك بيتين وهما

إذا طرقت بابي من الدهـر فـاقة فتحت لها باب المسرة والبـشـر
وقلت لها أهلاً وسهلاً ومرحـبـاً فوقتك عندي أحظى من ليلة القدر

وأعلم أن هذه التعرفات الجلالية هي أختبار من الحق ومعيار للناس وبها تعرف الفضة والذهب من النحاس فكثير من المدعين يظهرون على ألسنتهم المعرفة واليقين فإذا وردت عليهم عواصف رياح الأقدار ألقتهم في مهاوي القنط والإنكار من أدعى ما ليس فيه فضحته شواهد الإمتحان
وكان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه
يقول العجب كل العجب ممن يطلب معرفة الله ويحرص عليها فإذا تعرف له الحق تعالى هرب منه وأنكر
وقال شيخنا اليزيدي رضي الله عنه
هذه التعرفات الجلالية على ثلاثة أقسام قسم عقوبة وطرد وقسم تأديب وقسم زيادة وترق أما الذي هو عقوبة وطرد فهو الذي يسيء لأدب فيعاقبه الحق تعالى ويجهل فيها فيسخط ويقنط وينكر فيزداد من الله طرداً وبعداً وأما القسم الذي هو تأديب فهو الذي يسيء الأدب فيؤدبه الحق تعالى فيعرفه فيها وينتبه لسوء أدبه وينهض من غفلته فهي في حقه نعمة في مظهر النقمة وأما الذي هي في حقه زيادة وترق فهو الذي تنزل به هذه التعرفات من غير سبب فيعرف فيها ويتأدب معها ويترقى بها إلى مقام الرسوخ والتمكين
قلت ولذلك قال بعضهم بقدر الأمتحان يكون الإمتكان وقال أيضاً أختبار الباقي يقطع التباقي

فائدة إذا أردت أن يسهل عليك الجلال فقابله بضده وهو الجمال فإنه ينقلب جمالاً في ساعته وكيفية ذلك أنه إذا تجلى بإسمه القابض في الظاهر فقابله أنت بالبسط في الباطن فإنه ينقلب بسطاً وإذا تجلى لك بإسمه القوي فقابله أنت بالضعف أو تجلي بإسمه العزيز فقابله بالذل في الباطن وهكذا يقابل الشيء بضده قياماً بالقدرة والحكمة
وكان شيخ شيخنا مولاي العربي رضي الله عنه يقول
ما هي إلا حقيقة واحدة أن شربتها عسلاً وجدتها عسلاً وأن شربتها لبناً وجدتها لبناً وأن شربتها حنظلاً وجدتها حنظلاً فأشرب يا أخي المليح ولا تشرب القبيح
الفاتحه
امين