العهود المصطفويه فى سلوك الفقراء القادريه ( طريقه الفقير القادرى ) 6

العهود المصطفويه فى سلوك الفقراء القادريه ( طريقه الفقير القادرى ) 6
العهود المصطفوية في سلوك الفقراء القادرية (طريقة الفقير القادرى) الفصل السادس
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الجليل
القائل في محكم التنزيل
” {يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ
لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }التغابن1 “
وسبحانه جل وعلا في كل وقت وحين
رب العالمين الملك الحق المبين
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد صادق الوعد المبين
ولى المؤمنين
المبعوث رحمة للعالمين وعلى اله وسلم
ورضى الله تعالى عن صحابته وكتب اسراره
وخلفائه ورجاله
ووراثه الخدام القائمين به
في كل زمان ومكان
اللهم بلغهم منى تحية وسلام
والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين
اللهم وقدس اسرار اوليائك
الرافعين دائما لوائك
وخاصة معلمى وشيخى واستاذى
القطب الصمدانى والهيكل النورانى
سيدى عبد القادر الجيلانى
نستكمل اليوم بقية العهد
العهد التاسع : ان نتخذ الفقر الى الله تعالى وسيلة الى الغنى به

ربما تساءل الكثيرون منكم لماذا اتخذت اسم الفقير القادرى
وما دلالة هذا الاسم ؟
ولماذا الفقير ؟
وهل الفقر هنا هو فقر المال ام هو فقر الحال ام هو شىء أخر؟
ولماذا يطلق على اغلب الصوفية اسم الفقراء ؟
وسوف نبين ذلك كله من شروح مشايخنا رضى الله عنهم وأرضاهم
ومن الكتاب المعظم والسنة المطهرة
يقول سيدى القطب الصمدانى عبد القادر الجيلانى :

مـن كتاب قــلائــدالـجـواهــر
سـئـل الـشيخ ســيـدي عـبـد الـقـادر الـجـيـلانـي رضـى الله عـنـه
عـن مـعـنـى اسـم الـفـقـيـرفـقـال ( ف ق ي ر ) ثـم أنـشـد :

فـــاءالـفـقـيـر فــنــاؤه فـى ذاتـــه ** وفـراغـه مـن نـعـتـه و صـفـاتــه
والـقـــاف قـــوة قـلـبـه بـحـبـيـبـه ** و قــيـــامــه لله فــي مــرضــاتــه
و الـيـــاء يـرجـو ربــه ويـخـافـه ** و يـقـوم بـالـتـقـوى بـحــق تـقـاتـه
و الـــراء رقـــة قـلـبـه و صـفـاؤه ** و رجـــوعــه لله عـن شـــهــواتـه

ثـم قـال رضـى الله عـنـه يـنـبـغـي لـلـفـقـيـر أن يـكـون

جـــــــوالالــــفـــــكـــــر ، جـــــــوهــــــــري الـــــــذكـــــــر
جـــمـــيـــلالــمـــنـــازعــــة ، قــــريـــــب الــمـــراجـــعـــــة
لا يـطـلـب مـن الـحـق إلا الـحـق و لا يـتـمـذهـب إلا الـصـــدق
أوســــــع الــنـــــاس صـــــدراً و أذل الــنـــــاس نـــفـــســـــــا
ضـــحـــكـــه تـــبـــســـمـــاً ، و اســــتـــفــهــامــه تـــعـــلــمــا
مـــــذكـــــــراً لــلـــغــــافــــل ، مـــعـــلـــمـــاًلــلـــجــــاهــــل
لا يــؤذي مـن يــؤذيــه ، و لا يــخــوض فــيــمــا لايــعــنــيــه
كـــــــثــــيــــر الــــعـــــطـــــــا ،قـــــــلـــــــيــــــــــــل الآذى
ورعـــاً عـن الـمــحـــرمـــات مــتــوقـــفـــا عـن الـشـــبــهــات
غــــوثــا لـلـغــريـــب ، أبــــاًلـلـيــتــيــم
بـشـــره فـي وجـهـه ، حــزنـه فـي قـلـبـه
مـشــغـولاًبـفـكـره ، مـســـروراً بـفـقـره
لا يـكـشــف ســـراً و لا يـهـتــك ســـتـراً
لـطــيــف الـحــركــة ، نــامــي الـبــركـة
حــلـو الـمـشــاهـدة، ســخـيـاً بـالـفــائــدة
طـــيـــب الـمــذاق ، حــســـن الأخـــلاق
لـيـن الـجـانـب ، جـوهـراً ســـيـالاً ذائـب
طــويــل الـصـمــت ، جــمـيـل الـنــعــت
حــلـيـمـاً إذا جـهــل عـلـيـه ، صـبــوراً عـلـى مـن أســـاءإلـيـه
و لا يــكــن عــنــده جــمـــود ، و لا لــنــــار الـحـــق خــمـــود
لا بـــنـــمـــوم و لا حـــســــود و لا عـــجـــول و لاحـــقــــود
يـــبـــجــــــل الــكــــبـــيـــر ، و يــــرحـــــــم الــصـــغــــيـــر
أمـــيـــنـــاً عـلـى الأمـــانــــة ، بـــعـــيـــداً عـن الــخـــيـــانـــة
ألـــفـــه الـتـــقـــى ، خــلــقـــه الـحـــيـــا
كـــثــيــر الـحـــذر ، مـــداوم الـســـهـــر
قــلـيــلالـتـــدلــل ، كــثــيـر الـتــحــمـل
قــلـيـلا بــنــفــسـه ، كــثـيـراًبـإخــوانــه
حـــركــاتـه أدب ، و كـــلامـــه عــجــب
لا يــشــمــت بــمــصــيــبــة ، و لا يـــذكــر أحـــداً بــغــيــبـــة
وقــــــــــــوراًصـــــــبـــــوراً ، راضـــــــيـــــاً شـــــــكــــوراً
قـــلـــيــــل الــكـــــلام ، كـــثـــيـــر الــصــــلاة و الــصـــيـــام
صـــــــــــدوق الــلـــســـــــان ، ثــــــابــــــت الـــجـــــــنـــــان
يــحــتــفــل بـالـضــيــفــان ، و يــطــعـــم مـا كــان لـمـن كــان
وتــــــــــأمــــــــــن بـــــــوائـــــــقــــــــه الــــجــــــــيــــــران
لا ســـــبــابــاً و لا مـــغــتــابــاً ولاعـــيــابــاً ولا نـــمــامــاً ولا ذمـــامـــاً
ولا عـجـولاً ولا غـفــولاًولا حـســوداً ولا مـلـولاً ولا حـقــوداً ولا كـنـوداً
لـه لـسـان مـخـزون وقـول مـوزون و فـكر يـجـول فـيـما كان و ما يـكون

**************

مـن أقـوال ســيـدي الـإمام عبد القادرالجيلاني قــدَّس الله ســرّه

فـي كـتـاب : بـهـجـة الأســرار و مـعـدن الأنــوار

وقـال رضـي الله عـنـه : يـنـبـغـي لـلـفـقـيـر أن يـتـزيـن بـالـعـفـة
ويـتـزيـن بـالـقـنـاعـة حـتـى يـصـل إلـى الـحـق عـزَّ وجـلَّ،
ويـســعـى بـقـدم الـصـدق طـالـبـاً لـبـاب الـقـرب،
مـهـرولاً عـن الـدنـيـا والآخـرة و الـخـلـق والـوجـود،
يـحـتـاج أن يـمـوت ألـف مـرة ويـفـنـى ألـف مـرة، تـســتـقـبـلـه عـنـايـة الـحـق عـزَّ وجـلَّ،
ورأفـتـه ورحـمـتـه وشــوقـه إلـيـه، وجـذبـاتـه ونـظـراتـه ومـبـاهـاتـه،
ومـواكـب أرواح الـنـبـيـيـن والـمـرســلـيـن والـصـديـقـيـن والـمـلائـكـة،
تـصـحـبـه وتـرقـيـه إلـى الـحـق عـزَّ وجـلَّ، ويـتـفـرغ قـلـبـه ويـصـفـو ســره مـن كـل مـحـدث،
ويـدنـو إلـى الـحـق عـزَّ وجـلَّ، ويـقـرأ ســابـقـتـه فـيـقـف عـلـى ســطـر ســطـر،
وكـل كـلـمـة وكـل حـرف، ويـقـف عـلـى أوقـاتـه وأزمـانـه وســاعـاتـه ولـحـظـاتـه،
ويـتـيـســر لـه أمــره ومـا يـؤول إلـيـه كـلـمـا جـذب الـخـوف إلـيـه جـذبـه الـقـرب مـنـه،
ثـم لا يـزال يـنـقـل مـن شــيء إلـى شــيء حـتـى يـجـعـل حـاجـبـاً بـيـن يـديـه مـنـفـرداً عـنـده،
مـطـلـعـاً عـلـى أســراره، يـعـطـى خـلـعـة وطـبـقـاً ومـنـطـقـة وتـاجـاً،
وأشــهـد الـمـلـك عـلـى نـفـســه أن لا يـغـيـر عـلـيـه،
يـوقـع لـه بـصـحـبـة دائـمـة وولايـة مـســتـمـرة، فـلا يـبـقـى زهـد مـع مـعـرفـة.
يـا مـوتـى الـقـلـوب طـلـبـكـم الـجـنـة قـيـدكـم عـن الـحـق ســبـحـانـه وتـعـالـى.

*************************
يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ *
إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ [فاطر:15-17].
**************
عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :
« يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَرَى كَثْرَةَ المَالِ هُوَ الْغِنَى ؟ » قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ ،
قَالَ : « أَفَتَرَى قِلَّةَ المَالِ هُوَ الْفَقْرُ ؟ » قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ ،
قَالَ : « إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ ،
وَمَنْ كَانَ الْغِنَى في قَلْبِهِ فَلا يَضُرُّهُ مَا لَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا ،
وَمَنْ كَانَ الْفَقْرُ في قَلْبِهِ فَلا يُغْنِيهِ مَا أَكْثَرَ مِنَ الدُّنْيَا وَإِنَّمَا يَضُرُّ نَفْسَهُ شُحُّهَا » .
أخرجه ابن حبان في صحيحه

يقول سيدى الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله
فى كتابه : تيسير الكريم المنان في تفسير كلام الرحمن .
يخاطب تعالى جميع الناس، ويخبرهم بحالهم ووصفهم، وأنهم فقراء إلى اللّه من جميع الوجوه‏:‏
فقراء في إيجادهم، فلولا إيجاده إياهم، لم يوجدوا‏.‏
فقراء في إعدادهم بالقوى والأعضاء والجوارح، التي لولا إعداده إياهم‏ [‏بها‏]‏، لما استعدوا لأي عمل كان‏.‏
فقراء في إمدادهم بالأقوات والأرزاق والنعم الظاهرة والباطنة، فلولا فضله وإحسانه وتيسيره الأمور، لما حصل ‏[‏لهم‏]‏ من الرزق والنعم شيء‏.
‏فقراء في صرف النقم عنهم، ودفع المكاره، وإزالة الكروب والشدائد‏.‏
فلولا دفعه عنهم، وتفريجه لكرباتهم، وإزالته لعسرهم، لاستمرت عليهم المكاره والشدائد‏.‏
فقراء إليه في تربيتهم بأنواع التربية، وأجناس التدبير‏.‏
فقراء إليه في تألههم له، وحبهم له، وتعبدهم، وإخلاص العبادة له تعالى، فلو لم يوفقهم لذلك، لهلكوا، وفسدت أرواحهم، وقلوبهم وأحوالهم‏.‏
فقراء إليه، في تعليمهم ما لا يعلمون، وعملهم بما يصلحهم، فلولا تعليمه، لم يتعلموا، ولولا توفيقه، لم يصلحوا‏.‏
فهم فقراء بالذات إليه، بكل معنى، وبكل اعتبار، سواء شعروا ببعض أنواع الفقر أم لم يشعروا.
ولكن الموفق منهم، الذي لا يزال يشاهد فقره في كل حال من أمور دينه ودنياه، ويتضرع له، ويسأله أن لا يكله إلى نفسه طرفة عين،
وأن يعينه على جميع أموره، ويستصحب هذا المعنى في كل وقت، فهذا أحرى بالإعانة التامة من ربه وإلهه، الذي هو أرحم به من الوالدة بولدها‏.‏
{ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ }
أي‏:‏ الذي له الغنى التام من جميع الوجوه، فلا يحتاج إلى ما يحتاج إليه خلقه، ولايفتقر إلى شيء مما يفتقر إليه الخلق،
وذلك لكمال صفاته، وكونها كلها، صفات كمال،ونعوت وجلال‏.
‏ومن غناه تعالى: أن أغنى الخلق في الدنيا والآخرة، الحميد في ذاته، وأسمائه، لأنها حسنى، وأوصافه، لكونها عليا،
وأفعاله لأنها فضل وإحسان وعدل وحكمة ورحمة، وفي أوامره ونواهيه، فهو الحميد على ما فيه،
وعلى ما منه، وهو الحميد في غناه ‏[‏الغني في حمده‏]‏‏.‏

**************
ويقول سيدى حجة الاسلام الامام الغزالى في كتابه الغالى أحياء علوم الدين

في الفقر

وفيه بيان حقيقة الفقر، وبيان فضيلة الفقر مطلقاً، وبيان خصوص فضيلة الفقراء، وبيان فضيلة الفقر على الغنى،
وبيان أدب الفقر في فقره، وبيان أدبه في قبوله العطاء، وبيان تحريم السؤال بغير ضرورة،
وبيان مقدار الغنى المحرم للسؤال، وبيان أحوال السائلين، والله الموفق بلطفه وكرمه.

بيان حقيقة الفقر واختلاف أحوال الفقير وأساميه

اعلم أن الفقر عبارة عن فقد ما هو محتاج إليه، أما فقد ما لا حاجة إليه فلا يسمى فقراً، وإن كان المحتاج إليه موجوداً
مقدوراً عليه لم يكن المحتاج فقيراً، وإذا فهمت هذا لم تشك في أن كل موجود سوى الله تعالى فهو فقير لأنه محتاج إلى دوام الوجود
في ثاني الحال ودوام وجود مستفاد من فضل الله تعالى وجوده؛ فإن كان في الوجود موجود ليس وجوده مستفاد له من غيره فهو الغني المطلق،
ولا يتصور أن يكون مثل هذا الموجود إلا واحداً، فليس في الوجود إلا غني واحد، وكل من عداه فإنهم محتاجون إليه ليمدوا وجودهم بالدوام،
وإلى هذا الحصر الإشارة بقوله تعالى ” والله الغني وأنتم الفقراء ” هذا معنى الفقر مطلقاً، ولكننا لسنا نقصد بيان الفقر المطلق
بل الفقر من المال على الخصوص، وإلا ففقر العبد بالإضافة إلى أصناف حاجاته لا ينحصر، لأن حاجاته لا حصر لها.
ومن جملة ما يتوصل إليه بالمال، وهو الذي نريد الآن بيانه فقط، فنقول: كل فاقد للمال فإنا نسميه فقيراً بالإضافة إلى المال الذي فقده
إذا كان ذلك المفقود محتاجاً إليه في حقه، ثم يتصور أن يكون له خمسة أحوال عند الفقر ونحن نميزها ونخصص كل حال
باسم لنتوصل بالتمييز إلى ذكر أحكامها: الحالة الأولى وهي العليا: أن يكون بحيث لو أتاه المال لكرهه وتأذى به
وهرب من أخذه مبغضاً له ومحترزاً من شره وشغله وهو الزهد، واسم صاحبه الزاهد.
الثانية: أن يكون بحيث لا يرغب فيه رغبة يفرح لحصوله ولا يكرهه كراهة يتأذى بها ويزهد فيه لو أتاه، وصاحب هذه الحالة يسمى راضياً.
الثالثة: أن يكون وجود المال أحب إليه من عدمه لرغبة له فيه ولكن لم يبلغ من رغبته أن ينهض لطلبه، بل إن أتاه صفواً عفواً أخذه وفرح به،
وإن افتقر إلى تعب في طلبه لم يشتغل به، وصاحب هذه الحالة نسميه قانعاً، إذ قنع نفسه بالموجود حتى ترك الطلب مع ما فيه من الرغبة الضعيفة.
الرابعة: أن يكون تركه الطلب لعجزه، وإلا فهو راغب فيه رغبة لو وجد سبيلاً إلى طلبه ولو بالتعب لطلبه،
أو هو مشغول بالطلب وصاحب هذه الحالة نسميه بالحريص.
الخامسة: أن يكون ما فقده من المال مضطراً إليه كالجائع الفاقد للخبز والعاري الفاقد للثوب، ويسمى صاحب هذه الحالة مضطراً
كيفما كانت رغبته في الطلب إما ضعيفة أو قوية، وقلما تنفك هذه الحالة عن الرغبة.
بيان فضيلة خصوص الفقراء من الراضين والقانعين والصادقين
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” طوبى لمن هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافاً وقنع به”[1] وقال صلى الله عليه وسلم:
” يا معشر الفقراء أعطوا الله الرضا من قلوبكم تظفروا بثواب فقركم وإلا فلا”[2]. فالأول القانع، وهذا الراضي، ويكاد يشعر هذا بمفهومه:
أن الحريص لا ثواب له على فقره ولكن العمومات الواردة في فضل الفقر تدل على أن له ثواباً كما سيأتي تحقيقه،
فلعل المراد بعدم الرضا هو الكراهة لفعل الله في حبس الدنيا عنه، ورب راغبٍ في المال لا يخطر بقلبه إنكار على الله تعالى
ولا كراهة في فعله، فتلك الكراهة هي التي تحبط ثواب الفقر.
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” إن لكل شيء مفتاحاً ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء
لصبرهم، هم جلساء الله تعالى يوم القيامة”[3].
وروي عن علي كرم الله وجهه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ” أحب العباد إلى الله تعالى الفقير القانع برزقه الراضي عن الله تعالى”[4].
وقال صلى الله عليه وسلم: ” اللهم اجعل قوت آل محمد كفافا”[5].
وقال: ” ما من أحد غني ولا فقير إلا ورد يوم القيامة أنه كان أوتي قوتاً في الدنيا”[6].
وأوحى الله تعالى إلى إسماعيل عليه السلام: اطلبني عند المنكسرة قلوبهم. قال: ومن هم؟ قال: الفقراء الصادقون.
وقال صلى الله عليه وسلم: ” لا أحد أفضل من الفقير إذا كان راضياً”[7].
وقال صلى الله عليه وسلم: ” يقول الله تعالى يوم القيامة: أين صفوتي من خلقي؟ فتقول الملائكة: ومن هم يا ربنا؟ فيقول:
فقراء المسلمين القانعون بعطائي الراضون بقدري، أدخلوهم الجنة. فيدخلونها ويأكلون ويشربون والناس في الحساب يترددون”[8].
فهذا في القانع والراضي، وأما الزاهد فسنذكر فضله في الشطر الثاني من الكتاب إن شاء الله تعالى.
وأما الآثار في الرضا والقناعة فكثيرة، ولا يخفى أن القناعة يضادها الطمع. وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: إن الطمع فقر واليأس غنى،
وإنه من يئس عما في أيدي الناس وقنع استغنى عنهم.
وقال أبو مسعود رضي الله تعالى عنه: ما من يوم إلا وملك ينادي من تحت العرش: يا ابن آدم قليل يكفيك خير من كثير يطغيك.

وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: ما من أحد إلا وفي عقله نقص، وذلك انه إذا أتته الدنيا بالزيادة ظل فرحاً مسروراً والليل والنهار
دائبان في هدم عمره ثم لا يحزنه ذلك، ويح ابن آدم ما ينفع مال يزيد وعمر ينقص.
وقيل لبعض الحكماء: ما الغنى؟ قال: قلة تمنيك ورضاك بما يكفيك.
وقيل: كان إبراهيم بن أدهم من أهل النعم بخراسان، فبينما هو يشرف من قصر له ذات يوم إذ نظر إلى رجل في فناء القصر
وفي يده رغيف يأكله، فلما أكل نام، فقال لبعض غلمانه: إذا قام فجئني به، فلما قام جاء به إليه، فقال إبراهيم: أيها الرجل أكلت الرغيف وأنت جائع؟
قال: نعم، قال: فشبعت؟ قال: نعم، قال: ثم نمت طيباً؟ قال: نعم، فقال إبراهيم في نفسه: فما أصنع بالدنيا والنفس تقنع بهذا القدر.
ومر رجل بعامر بن عبد القيس وهو يأكل ملحاً وبقلاً، فقال له: يا عبد الله أرضيت من الدنيا بهذا؟ فقال: ألا أدلك على من رضي بشر من هذا؟
قال: بلى، قال: من رضي بالدنيا عوضاً عن الآخرة.
وكان محمد بن واسع رحمة الله عليه يخرج خبزاً يابساً فيبله بالماء ويأكله بالملح ويقول: من رضي من الدنيا بهذا لم يحتج إلى أحد.

وقال الحسن رحمه الله: لعن الله أقواماً أقسم لهم الله تعالى ثم لم يصدقوه، ثم قرأ ”
وفي السماء رزقكم وما توعدون ورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون “.

وخلاصة من الفقير القادرى في جملة واحدة
الفقر الى الله تعالى هو للغنى والفقير
وهو اخراج الدنيا من القلب وجعلها في اليد
والاعتراف بالعجز والاحتياج في كل وقت
لله
والغنى به دوما عما سواه
وهو الخلاصة

ونستكمل بأذن الله تعالى فى الفصل القادم باذن الله تعالى