النور المحمدى والواسطه العظمى ( بحث شامل وكامل )

النور المحمدى والواسطه العظمى ( بحث شامل وكامل )

النور والحقيقة المحمدية

والواسطة العظمى لخير البرية

بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ورضي الله

عن شيخنا الجيلاني

تمهيد
احبابى الفقراء وعشاق النور المحمدى انقل لكم هذا البحث الشامل عن النور المحمدى والواسطه العظمى سيد الثقلين وحبيب رب العالمين سيدنا ومولانا رسول الله صل الله عليه وسلم ونبدأ بالحمد للّه مصدر الكمالات والإمدادات الأزليّة، والصّلاة على مظهر التّجليات والتّنزلات الأبديّة، من أضحى للإمكان واسطة برزخيّة، من بعدما بات للوجوب مجلا عينيّا، وعلى آله سفن بحره المطمطم، وأصحابه ربّان قاموسه المطلسم، وسلّم تسليما. أمّا بعد :
كان الله ولا شيء معه في وجوب وجوده ، وهو الآن على ما عليه كان بأحديّة آزاله ، ولمّا أراد أن يتعرف إلى سواه ، شاء أن يخلق الخلائق ، فتجلّى بذاته فأوجد نسخة جامعة تكون محلا لاستواءاته ، ومظهرا لكمالاته ، وواسطة لتجليّاته ، وبرزخا لمقابلاته ، لتحقق المناسبة فيها ، كونها أثرا لقدم العظموت الأكبر .
فمنها كان الوجود الإمكاني ، لمّا أرادت المشيئة الإلهية إبداعه ، فظلّ بروحه المحيط ، هو الواسطة العظمى ، في إيجاد الحوادث ، وإمداداتها إلى أبد الآباد .
فإذا أراد سبحانه أمرا بالعباد ، تجلّى على حضرة الهيولى الأم مدرارا ، فتستورده لسعة قابليتها المثليّة ، ثم تصدّره لكلّ ذرّة في العالمين ، بمقدار القوابل ، وميزان الأقدار .
وإلّا فلا قوام للأكوان من دون قيّوميّة إمداده ، ولا وجود لعدمنا الظاهر من دون حيويّة أنواره ، ذاك الذي يصلنا بحضرة الربوبيّة بسلام، حيث أنّه لامناسبة بين الخلق وكبرياء ربّهم ، حتّى يباشروا سبحات جبروته سبحانه، إلّا من باب الشفيع الأوسط .
والحق أن تقول أنّه لمّا كانت حضرته الأميّة على ذلك العظم من التّحققات الذاتيّة ، فإنّ كلّ ما تحتاجه عوائل الإمكان من قوت حسيّ أو معنوي ، فهو خزانة جمعه وبحر إفاضته ، الذي تكمن فيه المدود بالضرورة ، ككمون الجزء في الكلّ .
فمن هنا وبهذه الهيمنة ملّكه الحق عزّ وجلّ سلطة البرايا برمتها ، لثبوت أهليّة الرّعاية فيه ، فكان ولازال هو أب الوجود ، وربّ المدود بلا جحود . ولذلك توّجته الذّات بأنيّتها ، وزمّلته برداء شؤونها .
ترقيم :
واعلم أن حقيقة مقام الوساطة هذا ، هو من أغيب وأغرب النواميس التي تسري في عروق الوجود ، وماذلك إلّا لدقّة ما تتضمّنه من أسرار ، من كلّ الوجوه :
سواء من الممدّ فمن لنا بإدراك سرائره وضمائره المضنونات؛ أو من جهة المستمد ومن لنا بمكاشفة رقائقنا المكنونات ، وأنّى لنا أن نحيط بكل ذرّة في الكيان ؛ أومن جهة الإمداد نفسه، فهو من أسرار القدر المحرّمة ، أو من جهة الأشياء الممدودة ، لكثرتها وتنوعها وللطافة بعضها وغرابة الأخرى . وهكذا..
من أجل ذلك غيّبت هذه الحقائق عن ساحة الشّواهد ، إن لم نقل حتّى عن باحة المشاهد ، لأنّها تخفى وتغرب بقدر متعلقاتها ، فليس إمداد ذوي العزم من الرّسل ، كإمداد غيرهم من المقرّبين ؛ ولا إمدادات الأسرار واللّطائف ، كإمدادات غيرهن من التجلّيّات ، ولا الإمدادات الكثبانيّة ، كغيرهنّ من الحضائر .
أقسامها
أ ” وساطة الحقيقة المحمّديّة :
إنّ الإستيراد من عين الحقيقة المحمّديّة أمر جلل ، مستحيل في هذه الدّار , لعزّة الإتصال بها ، وذلك لكونها نسخة أحديّة مجرّدة مطلقة ، طبقا للأصل .
فكما أنّ الذات الأقدس تعالى لا يدرك ولا يحاذى ولا .. ولا .. ، كذلك هو شأن مظهريته تلك ، وكما أنّه لا استمداد مباشر من حضرة الذات إلّا بواسطة مجلاها ، كذلك هو الحال في حضرة حقيقته ، ومجلاها هو الرّوح الأعظم ، والباب الأكرم .
فلمّا علم منا الخبير بنا ، أنّه لا طاقة لنا على مواجهة سبحاته الأقدسية ، كيما نستنزل منه الإمدادات الربانيّة ، تدلّى لنا من عرش حقيقته إلى كرسيّ روحه ، تنزلا ورفقا ورحمة بالعالمين ، وإلّا لكان هلاكنا من حيثما نرجوا الفلاح ، فمن لغارات أنيّته السّبوحيّة ، فلو برقت بارقة من سناها الحرام ، على الوجود صرفا لانعدم الإمكان كما كان ، فللّه الحمد على مجلاه، حمدا يدوم مادامت تنزلاته على الورى .
وإنّنا حينما نقول بحرمة الإستمداد المباشر ، من الذّات أومجلاها المقدس ، لسنا نعني به حرمة الإمداد ، أو ضنّ الحضرة تقدّست وتعالت ، ولكنّنا نأكد على ضرورة المجلى ، ولزوم المزاج .
سرّة :
وإن قلت وهل يجوز لنا الإستمداد المحض من سرّه ، حتّى في حضرة العين حالما تتجلى حقيقته صرفا ؟
فنقول : إنّ الجواب هنا نسبي ، فلا هو بنعم ولا بلا ، أي أنّنا كلّما تحقّقنا بأنواره ، إكتسبنا قدرة على مباشرة أسراره وهكذا ، ولهذاخلقنا فإنّما نحن للذّات ، وغايتنا الكثيب ، ولكن ذلك بقدر ما أدركنا من الحضرة ، وبقدر ما تجلّت تدلّت به لنا ، مع العلم أنّه لا نهاية ولا غاية لبطنان تلكم الحضرة الكنهيّة ، فلا تزال الهويّة تدّلي والأنيّة بنا تدّني ، ولا وصول ولا هيمنة ولا كشف عن سرّ العين، إلى أبد الآباد .
إذًا يجوز لنا الإستمداد المباشر، بوجه من الوجوه لا بالحيطة ، لأنّ للذات صرافة دون صرافة ، وغيب دون غيب ، بل وحال دون محال . فافهم .
ومع ذلك فإنّ لنا تواصل به في حضرة الوسيلة ، وهي المقام الوحيد الذي يجمعنا بحقيقته ، فهي كالبرزخ ما بيننا وبينه ، ففي تلك الحضرة يجوز مكافحة الذّات ومجلاها ، بعدما تتّحد الرّقائق ، بحقيقة الحقائق ، لأنّنا حينئذ به لا بنا ، فيمكن أن يكون هناك ما لابصيرة رأت، ولا سرّ وعى، ولا خطر على إدراك مقرب .
واعلم أن لحيّاة الكثبان شؤون خاصّة ، تغيب ماهيّتها حتّى عن الأكابر ، كما يجوز أن يدرك بعضها ، ولكن الحيطة بكنهها فمستحيل الإدراك ، لكونه متعلق بإطلاق حضرة الذّات ، وما عليه مجلاها من العظموت والإكبار .
وممّا نعرفه إجمالا عن تلك التجليّات الواسطيّة ، مثلا : وساطة الفتوحات معرفة وشهودا وتحققا وإمدادا ، وكوساطة رسالته أي : التّعريف بشؤون تلك الهويّات وذلك لازم إلى الأبد ، وإنّ هذه الحقيقة ممّا يلوح للبصائر من وراء حجاب .
ب ” وساطة الرّوح الأعظم :
فهي التي تسمى بالحضرة الأميّة ، لكونها : أمّ للتجليّات الإيجاديّة والإمداديّة إطلاقا ، فلولاها ما بان النّور من غياهب العماء ، ولا انفتق الأبد من رتقة الآزال ، ولا امتدّ ظلّ الإمكان من شمس الوجوب .
فهوبروحه الكبير : عين حضرة النّعوت الفاصلة بين الحقيقة والخليقة ، كقاب قوسين أو ادنى من الحضرتين ، فهي اللّازمة لقيّام الدّائرة ، وإلّا لغاب قوس الحدوث ، من غلبة قوس اللّاهوت ” مرج البحرين يلتقيّان بينهما برزخ لايبغيّان ” فما البرزخ هنا إلّا هذا العنصر الفيّاض ، المستمد من معين العين الأحديّة سرمدا .
وهذه الحضرة هي الموسومة بشجرة التكاثر ، وبهيولى التناسل ، وأمّا حضرة حقيقته اليتيمة فهي مجردة عن النّسب والتّولّدات ـ المعنويّة منها والحسيّة ـ ولها الإشارة بقوله تعالى )قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) [
تحققا بصمدية الذّات ، توحيدا وتفريدا ، ولا يقدح في هذا شروق نور الروح الأقدس منه ، لكونه مظهرها وعينها .
إذا فما من تعيّن رباني كان أو سيكون ، إلّا وهو فرع عن هذا المحتد الأمّيّ ، المهيمن على كلّ ذرّة بما كسبت، وجودا وإمدادا . فاقدس به من صلب جامع ، ورحم محيط ، بيده الخلق والأمر ، وإليه المآب .
ج ” وساطة الجسد المقدّس :
وأمّا حضرة جسده العظيم فما أدراك ما هي ، عرش لاستواء الأنوار، وصدف لتكنيز الأسرار ، فهو بِدَوره قطب تدور عليه رحى التّجليّات الشّهاديّة ، لأن له في كلّ حضرة ظهور على حسب أهلها ، فيتصور لهم فيها بمظهر برزخيّ ، جامع لعزّة تعاليه ، ورحمة تدلّيه .
وذلك لنتأهل للأخذ منه، فنحيّا وندوم ونترقى به، وإلّا فمن لنا سوى محتدنا ومولانا ، في كلّ ما يلزمنا ظاهرا وباطنا ، فالحمد للأنا على تروحناتها وتجسّداتها .
وهذا الطّور الجسماني متلبّس جدّا، إلّا عن من كشف عنه الحجاب، لأنّ حجاب المثليّة البشريّة مضلّة عن الحقيقة، ولهذا قالوا ( ما أنت إلّا بشر مثلنا ) .
أنواعها
أ ” وساطة الإيجاد :
إنّ هذا الوجود الممكن الحديث ، ماهو في التّحقيق إلّا ظلّ ممدود عن النّور المحمّدي الصّمدي ، وإليه الإشارة بقوله سبحانه أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًاولفظة ربك هنا تعنيه هو إشارة إلى محتديّته الكبرى .
علما أن الحق هو وحده واجب الوجود ، بل هو الوجود عزّ وجلّ ، بل لا موجود حقيقة سواه على الإطلاق، ولمّا أراد سبحانه أن يتعرف بذاته وأن يتوسّع بصفاته، تجلّى بشمس الوجوب فأوجد له مظهرا عينيا أحديا ، وتوّجه بشؤون سلطانه ، وجعله واسطة في تأثير إرادته .
فلذلك كان وجود العين ذاك ، مغاير لوجود الممكنات هذه ، لأنّ وجوده ذاتيّ أزليّ ، ووجودنا صفاتيّ أبديّ ، أوقل أن وجوده لزوم مثالي ، وأن وجودنا عدم ظاهر ..
وأما كيفيّة وحيثيّه إنسلاخ الوجود الإمكانيّ من النّور ، فهي من الأرقام المضنونة التي لا يفقه كنهها إلّا أكابر أهل الفتح ، فمابال أطفال الخيال .
ولهذا كتمها الشّارع وأسرّها في بطون النّصوص ، ليلّا تفتن بها العقول الفتيّة ، وأمّا ما يثور من خلاف حول حديث سيدنا جابر رضي الله عنهفإنّه لامشاحّة في ذلك ، لأنّ الحقائق لا تتوقّف على ظاهر الدّليل ، فالبراهين ماهي إلّا للإستئناس عند أهل العرفان ، وإنّما حجّتهم على إثبات المعارف ، إلهام المشاهد لا أوهام الشّواهد .
وهذه الحقيقة ممّا صار معلوما بالضّرورة عندنا ، لأنّنا كمريدين أخذناها بالتّصديق والإيمان ، عن أرباب التحقيق والعيان ، فلم نحتج فيها إلى البيان والبرهان .
يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي :
«خلق العالم بأسره من الحقيقة المحمدية ، فالله تعالى خلق روح النبي من نور ذاته ، وخلق العالم بأسره من روحه، فهوالظاهر في الخلق باسمه بالمظاهر الإلهية »
ويقول سيّدي احمد ابن ادريس :
اعلم أنّ الجناب الأقدس لما أبرز الجوهرة الأحمدية ، صار ينبجس من عين ماهيتها ، كلّ شيء في الوجود ».
وقال الحبيب العيدروس :
” لما أراد تعالى إيجاد خلقه ، أبرز الحقيقة المحمدية من أنواره الصمدية ، في حضرته الأحمدية ، ثم سلخ منها العوالم كلها، علوها وسفلها.
قلت والخوض في هذه الحقيقة طويل عريض،
ب ” وساطة البرزخيّة:
ألا وإنّ شأن البرزخيّة هو الآخر من مهمّات وساطته ، وذلك في تعديل نسبة التّركيز اللّاهوتي ، المتجلّي على العالمين ، إذ أنّه لا مناسبة بين حضائر الحقّ سبحانه وما لها من الكبريّاء والعظموت ، وبين قوابل الخلق الصّغيرة الفقيرة ، وإلّا لاندكّت الرّقائق وانعدمت ، بمباشرة جبروت تلكم الحقائق الخوارق .
فلزم من هذا تدخل وسيط ، يكون مناسبا للحضرتين ظاهرا بالوّجهتين ، يأخذ عن الحقّ مباشرة بما هو عليه من صبغة أنانيّة، ثمّ يقسّمها على عوائل رعيّته، بحسب القوابل والإستعدادات . وهذا ما يشير إليه السّادة بقوله تعالى ” مرج البحرين يلتقيّان بينهما برزخ لايبغيّان “ .
قال سيدي الكتانيقدس الله سره:( في خبيئة الكون ) :
وقد انقضت كلمة أهل الله تعالى أن الحقيقة الأحمدية، هي البرزخ الجامع بين الله تعالى وبين الخليفة، وهي الخليفةالعظمى عن حضرة الربوبية، لم يبقِ مقتضى من مقتضيات الأسماء الإلهية، إلّا وألبس هذا البرزخ الأعظم النّور الأحمدي، كساه وأفرغ عليه مقتضاه.
ويقول الشيخ عبد الغني النابلسي :
« فهو الحجاب الأعظم القائم ، لأنه حجب العقول عن النظر في حقائق الذات والتفكر فيها ، فعقل العقل عن النظر إلى ما ليس له إليه سبيل ، بهذا أرسل وبه أمر ، فكان حجاب الله الأعظم القائم له بين يديه تعالى ».
ويقول الشّيخ الأكبر :
هو برزخ البرازخ الفاصل بين الوجود المطلق والعدم ، له وجه إلى الوجود ووجه إلى العدم ، فهو يقابل كل واحد من المعلومين بذاته ، وهو المعلوم الثالث ، وفيه جميع الممكنات وهي لا تتناهى كما أنه كل واحد من المعلومين لا يتناهى .
قلت وإنّ البرزخيّة آليّة فرعيّة ، لازمة للوساطة الإمداديّة ، وهي عديدة الأوجه ، تختلف بإختلاف المهام والمجالي .
ج ” وساطة المظهريّة :
ولمّا كانت معرفة الحضرة الإلهيّة هي العلّة الغائيّة من وجودنا ، وكانت تلك الحضرة محرّمة الإدراك ،لما تتعزّز به من تجريد وإطلاق ، لزم توسط معرّف بها يكون مناسبا للحضرتين الحقانيّة والإمكانيّة ، وليس ذاك إلّا فرقان الحقائق الربّانيّة ، وقرآن الرّقائق الكيانيّة .
وذلك حالما يتحقق بالأنيّات العينيّة، ثمّ يظهر بها تمثيلا دليلا، على حسب المحاضر ، وهذه المظهريّة فيه ذاتيّة لازمة لوجوده ، فحيثما تجلى يظهر الحق على مشهده مصداقا لقوله من رآني فقد رأى الحق ” ، فلإن كان أولياء الله إذا رؤوا ذكر الله ، فكيف بسيّدهم وممدّهم .
والمظهريّة إن حقّقتها هي نوع من أنواع الرّسالة ، لكونها بكلّها دلالة ، ولكنّها بلسان الحال والمقام لا بالقال ، وهي بحسب المظاهر على ثلاث : مظهريّة الحقيقة العليّة ، ومظهريّة الرّوح الأقدس ، ومظهريّة الجسد الأكبر ، وكلّ مجلى من الثلاثة هو أنيّة لما فوقه ، فالحقيقة تقول أنا الكنه ، والرّوح تقول أنا الحقيقة ، والجسد يقول أنا الرّوح ، والكلّ يقول أنا الحق …
فمن لم يتعرف على هذه الحضائر المظهريّة ترتيبا ، ويسلك فيها تدريجا ، لن يهتدي إلى الحظيرة اللّاهوتيّة ، وإن صال وطال وجدّ واجتهد ، فهو الباب اللازم للدخول إلى الرحاب اللادنيّة أبدا .
د ” وساطة الرّسالة :
والرّسالة أصلها أن تكون بين إثنين يتعذّر تواصلهما ، فيتوسلان بوسيط يسمى رسول ، وهو مشتق من الإرسال على وزن فعول ، ومهمّة الرّسل أن يبلغ كلّ طرف أنباء الآخر ، ويشترط فيه أهليّة الإتّصال بالإثنين .
ولهذا نقول أنّه لمّا تعذّر تواصل الممكنات ، منذ القدم بالحق تعالى بل لمّا علم ذلك منها قبل حدوثها ، أوجد وحضّر لها رسولا وسيطا ، لكي يبلغها شؤون الأوامر ، وفنون التّعارف .
فهو رسول الكلّ في الكلّ سرمدا ، فما دام هناك خلق فهو المنبأ ، بل مادام هناك حق فهو المعرّف ، وتبصّر بقرن الشّهادتين حتّى على ساق العرش ، وعلى باب الجنّة ، وفي آذان الحشر ، وكيف نطق بها سيّدنا آدم عليه السلاموجعلها سيّدنا سليمان عليه السلام نقش خاتمه المرقوم ، وتمنى الكليمعليه السلامأن يحشر تحت لواءها ، وكيف التحق المسيح عليه السلام بصف خدّامها.
فممّا لا ريب فيه عند المحقّقين ، أنّه رسول الرّسل أيّا كانت أجناسهم ، بشرا أو ملائكة أوجنا .. أو ماشاء الله ، فكلّ من كان لله عبدا كان له الحبيب سيّدا ورسولا ، وكذلك إن البعث بالتّعريف سرمديّ ، وإن انقطع البعث بالتّكليف .
م” وساطة النّفحات :
ونقصد بالنفحات هنا المواهب الربانية ، التي يتفضل بها الحق سبحانه من حيث لاحسبان ، مصداقا لقول الحبيب ( إنّ لربكم في أيام دهركم نفحات، ألا فتعرضوا لها ) .
وهي على أربعة مواطن ، نفحات زمانية [ كرمضان والمولد .. ] ، ونفحات مكانية [ كمكة والمدينة ..] ، ونفحات عند القربات [ كالصلاة والذكر ..] ، ونفحات عند المقربين [ بحضور الصالحين أو ذكرهم ..] .
ولإن تبصرت بكل النّفحات الربانية على الأمة المحمدية ، فستجد ولامحالة أن مصدرها الجامع ، هو نبيّها الواسع ، ومتى استغنت أمّة عن نبيها !؟ ، لاسيّما وأنّ نبيّنا هو منبع كل دقيقة وجليلة ، تهب على الوجود .
بل سترى أن تلك المواطن ماتزكّت ، إلّا بحسب القرب من جنابه الأقدس ، فكلها بسببه ولأجله ، وإن تنوعت مظاهرها الكونية ، فالمورد الفياض واحد ، وهو باب الكلّ في الكلّ ، فمن قصده ورد على العين ، ومن أباه تشتت بالنوافذ فضل وما اهتدى .
فحيّ على معين النّفحات ياراجيها ، واخضع على أعتاب الأبواب المحمّدية ، إن رمت التّعرض لكلّ شاردة وواردة في الدّارين، كما قلت في صلاة النّفحات (اللّهمّ صلّ على سيّدنا ومولانا محمّد أصْلِ كلِّ النَّفحاتِ الربّانِيَّةِ، وقُطْبِ إفاضاتِها على الدّوائِرِ الكونِيّةِ، فأَعْرَضُهُمْ لها مِن بابِهِ، أَخْضَعُهُمْ بأعتابِ جَنابِهِ، وعلى آله وصحبه وسلّم ).
ن ” وساطة الفتوحات :
وهذه الوساطة مما يغفلها الكثيرون ، ظنّا بأنه لا دخل له فيما بين المقربين وبين ربّهم تعالى ، ولكن الوساطة ـ كما قال المحققون ـ لا ولن تنفصل في حال من الأحوال ، حتى وفي اتصالات أولي العزم بالحق تعالى ، ولكنها قد تدقّ حتى تغيب عن شهود العارفين ، فيتوهمون أنهم إستغنوا عن الوسيط ، وذلك من المحال .
وإننّا نعني بالفتوحات هنا : مايفتح على بواطن المقربين حالة الإتصال بالحضرة ، من معرفة وتحقق وشهود ، فكما كان واسطتنا في التّشريع ، كذلك هو وسيلتنا في التّحقق ، ولن يستغني عنه سالك ولاعارج .
وأنى للبرايا من خوض تلكم المهامه ، وأنى لهم بمواجهة سبحات اللاهوت ، فإنما الأنوار أنواره ، والأسرار أسراره .
هـ “وساطة الشّفاعة :
ومن العجيب أنّ هذا النّوع من الوساطة مسلم له ، إستنادا للثّوابت الشّرعيّة ، ولكنّه في الحقيقة من أغرب الأنواع ، حيث أنّ التّوسّط وادّعاؤه هنا ممكن للكلّ ، بل حتّى ادّعاء الربوبيّة ، ولكن هاهناك في الحشر يوم يقول تعالى ( لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ) وتغلق حينذاك منافذ الوسائط والمظاهر ، بانكشاف المصدريّة الحقيّة ، ولا تبقى إلّا المظهريّة المحمّديّة الكلّيّة ، ولهذا أكّدها هاهناك وكأنّه يقول : أنا الواسطة في زمان الحقيقة ، فكيف بزمن الدعاوي .
والحقّ أنّ وساطته يوم الدّين ، ليست محصورة على الشّفاعة ، بل هي مابين الخلق وخالقهم بكلّ الشؤون، من تجليات جمالية : كالشّفاعة والجواز والثواب، أو جلاليّة : كالغضب والعتاب والعقاب ، أو كمالية كخلع النِسب ونصب الرّتب ، وما الشّفاعة إلّا عيّنة فقط .
و” وساطة التجلّي الأعظم :
وكما قيل في وساطة الفتوحات ، كذلك الشّأن في وساطة التّجلّي الأعظم ، لأنّ مقام الإحسان هنا كالصّورة عن مقام الكثبان هناك .
وفي الحقيقة ما سمّي مقام الحبيب في الجنّة بالوسيلة ، إلّا كإشارة إلى حتميّة التّوسّل به ، حيث أنّ الخلق في جنانهم ، لايقدرون على مكافحة السّبحات الذاتيّة ، إلّا بالإجتماع تحت ظلّ مقام الوسيلة ، وبدونه لن يتسنى لهم الإتّصال بحضرة الأزل .
يقول سيدي الكتانيقدس الله سره:فهو رداء الكبرياء المشار إليه في حديث “وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداءالكبرياء على وجهه في جنة عدن” فالرؤية حقيقة إنما تقع على رداء الكبرياء لا علىالذات البحت » . اهـ
وهناك إشارة دقيقة في اسم الوسيلة ، وكأنّه يقول : إذا كنت وسيلتكم حتّى في هذا المقام العظيم ، فكيف تجحدون وساطتي في هذه الدنيا البخيسة ، التي لاتساوي جناح بعوضة .
ولهذا يقول الشّيخ الجيلي قدّس الله سرّه: وإنما كان له مقام الوسيلة فى الآخرة لأن الخلق توسلوا به إلى معرفة الله تعالى، وتوسلوا به فى الوجود لأنهم خلقوا منه وتوسلوا به فى كل خير ظاهر وباطن فهو صاحب الوسيلة. وقد تكلمنا طرفاً فى معنى كونه وسيلة بين الله وبين الخلق .
ويقول قدّس الله سرّه : والوسيلة هي الواسطة للوصول إلى المطلوب ، وهي الشفاعة ، ولهذا المعنى منـزلة صورية في الجنة المسماة بالفردوس الأعلى ، وهي أرفع منازل الجنان ، يكون هو فيها ليحوي الكمال صورة ومعنى ، ظاهراً وباطناً.
خلاصة
وعليه فإن كلّ ما تطلبه العوالم ، من منافع حسيّة كانت أو معنويّة ، فإنّما هو منبثق من فيض رحموته ، الذي وسع كل شيء مددا ، منذ ليلة ألستُ إلى صباح الوسيلةِ ، فهو واسطة الأسماء الإلهيّة، في تأثيراتها على كلّ ذرّة في الوجود ، هيمنة ربانيّة على مراد المشيئة ، قائما عنها بكلّ ما يقتضيه شمولها .
دليل الوساطة من الكتاب الكريم :
· في قوله تعالى(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة). وقد أجمع أهل الله تعالى بأنّ أعظم وسيلة ، بل وأوكدها علينا أن نبتغيها إلى الحق سبحانه، هو حبيبه وما تنزلت الرّسل عليهم السّلامإلّا ليكونوا وسائل لأممهم .
ونقول لمن قال بأنّ الوسيلة هي القربة، ومن لنا بالطّاعات لولا الحبيب أليس نوره هومشكاة الإيمان، الذي منه تتوزّع شبكة الإتّصالات الربّانيّة، الممتدّة على الآفاق والأنفاق .
ولهذا سمّي المنزل المحمّدي في الجنّة، بـ (مقام الوسيلة) وكأنّه يجسّد لنا العلّة الغائيّة، حيث أنّه أعظم وسيلة لغاية الغايات، وهي رؤية وجه الله تعالى في الكثيب، وهو في غير هذا المقام وسيلة كذلك، ولكن هنا تحقّقت العلّة الغائيّة .
ونقول لمن أجازوا التّوسل بالعمل الصّالح، ولم يجيزوه بالجاه المحمّدي الشّريف، وماذا تقولون في الشّفاعة العظمى، يوم الهول الأكبر، فلماذا لم يقل لنا الشّارع الحكيم توسّلوا بأعمالكم يومئذ، فإنّني لا أغني عنكم من الله شيئا، ولكن هيهات هيهات، لو لم يشفع ذو الجاه العريض، لن ينفع ولا الأنبياء والرّسل قرباتهم، فضلا عن عباداتنا نحن الزّائفة.
وهذا هو الفهم الموافق لنظائر هذه الآية في الكتاب الحكيم، مثل آية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فإن قوبلت الآيتان سيرى بأنّ أوّلهما متّحد اللّفظ والمعنى ، وآخرهما من (وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ) متّحد المعنى متختلف اللّفظ فقط .
وهكذا هو القرآن المجيد دائما ما يقرن بين حق الله تعالى، وبين حق نبيّه حتّى في الإيمان الذي هو أعظم من التّوسّل .
وفي قوله تعالى (كلاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا) والدّلالة هنا تتمركز في كاف الإتّصال عند قوله ( ربّك) والضّمير هنا راجع إليه ولم يقل سبحانه تماشيّا مع السّياق (عطاء ربّهم) أو ( من عطائنا) وكأنّه يقول نمدّ هؤلاء وهؤلاء بواسطتك، وكأنها تناظر قوله تعالى ( سيوتينا الله من فضله ورسوله ) .
وفي قوله تعالى : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين) أي أنّه واسطة للرّحمن سبحانه، في رحمة كلّ الخلائق، من بعدما تحقّق بإسم الله الرّحمن الرّحيم، وهذا هو أساس وساطته لمّا تحقّق بالأسماء والصّفات، صار واسطة وسيلة بها، يقسّمها على قوابل البرايا.
· وفي قوله تعالى (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ) قال المفسرون: نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة، والمعنى يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم به على المشركين ، كما روى السّدي أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين، أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبي وقالوا: اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدوّنا؛ فينصرون[1].
· ومنه قوله تعالى (وَمِنَ الأعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) تمعّن في قوله تعالى (وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لهم) وقوله سبحانه (اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة) ونقول لجمهور المفسرين الذين قالوا بأنّ الوسيلة هي القربة، لعلّكم تقصدون قوله سبحانه( أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لهم )، سواء صلاتنا عليه أو صلاته هو علينا .
· ومنه قوله تعالى(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا) وانظر كيف علّق الحقّ سبحانه، قبول التّوبة على قصدنا له ، وهذا هو عين الوسيلة .
· وفي قوله تعالى (وما رميت إذ رميت ولكنّ الله رمى) وهذه الآية تحتوي على أسرار عجيبة غريبة، ذكرناها في رسالة المجلى الذّاتي، ووجه دلالتها هنا تتجلّى في توسّطه في الرّمي، من بعدما ما تحقّق بالمظهريّـة الإلهيّة .
· ومنه قوله سبحانه وتعالى ( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ) وانظر هنا كيف عطف الوساطة النّبويّة، على الإمداد الإلهي، بل وحّد الضّمير ولم يثنّي، وهو توكيد على واحديّة مظهريّته وشتّان بين مظهريّة الذّات ومظهريّة الأسماء والأفعال .
ومن السّنة المطهرة :
والأدلّة في السنّة المعصومة كثيرة جدّا، منها ما هو ظاهر ومنها ماهو خفيّ الدّلالة، ويدخل ضمنها أحاديث التّوسل والإستغاثة، وأحاديث الشّفاعة والوسيلة، لأنّها كلّها فرع عن مقام الوساطة هذا ، ومن ذلك على سبيل المثال :
· قوله فيما رواه الشّيخان : ( إنّما أنا قاسم والله المعطي ) وهو عـام في كلّ ما الله سبحانه معطيه، لأنّ العبرة بعموم اللّفظ لا بخصوص السّبب، ولقد فهم العارفون منه ذلك البعد العرفاني العميق .
· ومنه قولهفيما رواه الطّبراني وغـيره:(إنّي لأَشْفَعُ وأشْفَعُ ، حتّى إنَّ مَن أشْفَعُ لهُ ، ليَشفَعُ فَيُشَفَّعُ ، حتّى إنّ إبليسَ لَيَتَطاوَلُ في الشّفاعـةِ) . والشّفاعـة هي من أبلغ معاني الإستغاثة والوساطة، وهذه الشّفاعـة ليست خاصّة بيوم الدّين، بل هي مقام لازم للواسطة الأعظم .
ومنه قولهفيما رواه مسلم: ( سَلُوا اللهَ لِيَ الوَسِيلةَ، قالوا: وما الوَسيلةُ؟ قال : هيَ أعلى درجةٍ في الجنّةِ، لا يَنالُها إلّا رَجُلٌ واحِدٌ، وأرْجُو أنْ أكـونَ أنا هُوَ) والوسيلة هنا مأخوذة من التّوسّل، الّذي ينكره أهل زماننا الفاسد، وهو كذلك ليس خاصّا بالجنّة، ولكنّه من لوازم الواسطة العظمى .
· ومنه قولهفيما رواه الحاكم في صحيحه ( لَمّا اقْتَرَفَ آدمُ الخَطيئَةَ قال : يا رَبِّ أسأَلُك بحَقِّ محمّدٍ لَمَا غَفَرْتَ لي . فقال اللهُ : يا آدمُ ، وكيفَ عَرفْتَ محمّداً ولم أخْلُقهُ ؟ قال : يا ربّ ، لأنّك لَمّا خَلَقْتَنِي بِيَدِك ، ونَفَخْتَ فيّ مِن رُوحِك، رَفَعْتُ رأسي ، فرأيتُ على قوائِمِ العَرشِ مَكتُوبًا: لا إلَهَ إلّا اللهُ ، محمّدٌ رسولُ اللهِ ، فَعَلِمتُ أنّك لم تُضِف إلى اسْمِك إلّا أحبَّ الخَلقِ إليكَ . فقال اللهُ : صَدَقتَ يا آدمُ إنّه لأحَبُّ الخلقِ إليّ ، أُدْعُني بحَقِّهِ ، فقدْ غَفَرتُ لك ، ولولا محمَّدٌ ما خَلَقتُكُ). وهذا الحديث من أدمغ الحجج في هذا الباب، حيث أنّه ذكر لناتوسّط رسول من الرّسل بجاهه العظيم فنحن من باب أولى، بإشارة حديث ( آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيّامة) .
وإنّ في ذكر الشّهادتين هنا ملمح لطيف، وهو أنّ سيّدنا آدم ومن دونه كلّهم كانوا يشهدون بها، ولكن لماذا ذكرت في حديث التّوسل هذا ؟!
أقول لأنّها تحمل معنى الواسطة العظمى ضمنا، فالشّطر الأول ( لا إله إلّا الله) للمصدريّة، والشّطر الثّاني ( سيّدنا محمّد رسول الله) للمظهريّة، ومعنى ( لا إله إلّا الله) لا معبود بحقّ إلّا الله، ولا معطي ولا مانع إلّا هو، ومعنى ( سيّدنا محمّد رسول الله)لا رسول بحقّ عن الله إلّا سيّدنا محمّد، ولا واسطة في إمدادات الرّبّ إلّا هو .
· ومنه قولهفيما رواه التّرمذي (إذا صلّى أحدُكم فليَبدَأ بتَحمِيدِ رَبِّهِ سبحانَهُ والثّناءَ عليه،ثم يُصَلِّي على النَّبي، ثم يدعو بعدُ بما شاءَ) . وسبب ورود الحديث أنّ رجلا دعا من دونما صلّى على الحبيب، فاستوقفه وفقّهه في الدّين،ومفهومه أنّ الصّلاة على الحبيب من شروط إستجابة الدّعاء، والصلاة عليه هنا تمثّل التّوسّل به، لأنّ للتّوسل عدّة مظاهر، قوليّة وفعليّة وحاليّة .
وصل به:
قلت ولقد وعى ساداتنا الصّحابة هذا المبدأ جيّدا، فترجموه في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، وكفى بهم هداة مهديين، ومن قصصهم في هذا:
· مارواه التّرمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، عن سَيِّدنا عثمان بن حُنيفٍ أنّ رَجلاً ضَرير البَصرِ أتى النبيَّ فقال: أُدْعُ اللهَ أن يُعافيني، فقال: إنْ شِئتَ صَبَرْتَ فهو خيرٌ لك، وإن شِئتَ دَعَوتُ ، قال: فادْعُه، فأمَرَهُ أنْ يَتَوضَّأ، ويدعُو بهذا الدُّعاءِ: اللّهمّ إنّي أسأَلُك وأتَوَجَّهُ إلَيكَ بِنَبِيِّكَ محَمَّدٍ نبيِّ الرّحمةِ، يا محمدُ إنّي تَوجَّهتُ بِك إلى ربّي في حاجتي لِيَقْضِيها، اللّهمّ شَفِعْهُ فِيَّ .
قال سيّدنا عثمان: (فو الله ما تفرقنا، ولا طال بنا الحديث ، حتى دخل الرّجل وكأنّه لم يكن به ضرّ قطّ) وصار سيّدنا عثمان يلقّن هذا الإستغاثة لمن بعده.
· وقد قال سيّدنا ومولانا كما في الصحيحين: (يأتى على الناس زمان يغزو فئام من الناس، فيقال فيكم من صاحب الرّسول فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يأتى على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال لهم هل فيكم من صاحب أصحاب الرسول، فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس، فيقال هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب الرّسول فيقولون نعم فيفتح لهم) سبحان الله وكأنه أنّ هذا الحال من النّاس سيندثر ولا يروى ويشهر، فذكره من طريق المكاشفة بالمستقبل، وليّلا يشكّك الأغمار فيه .
· وجاء أنّه خدرت رجل سيّدنا بن عمر فقال له رجل اذكر أحب الناس إليك ، فقال :يامحمداه فقام فمشى ..( رواه البخاري في الادب وابن الجعد وابن سعد و ابن السّني) .
· وروى ابن السّنّي عن مُجاهد قال: خَدِرَتْ رِجلُ رجلٍ عند ابن عباس، فقال ابنُ عباس رضي اللّه عنهما : اذكر أحبَّ الناس إليك، فقال : وامحمّداه فذهبَ خَدَرُه.
· و منه ما رواه ابن أبي شيبة والبيهقي، عن مالك الدّار وكان خازن سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء بلال بن الحارث إلى قبر النبي فقال : يارسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا ، فأتاه رسول الله في المنام فقال : (( إيت عمر فأقره مني السلام ، وأخبره أنهم مسقون وقل له عليك بالكيس الكيس )) فأتى الرجل فأخبر عمر فقال : يارب لا آلو إلا ماعجزت عنه ) الأثر الشريف :
· وما رواه الدّارمي عن أبي الجوزاء ( أوس بن عبد الله ) قال : قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة، قالت : أنظروا قبر النبي فاجعلوا منه كوا إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ، قال : ففعلوا ، فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق ، ومعنى كوا أي نافذة .
· وعن سيدنا أنس أن سيّدنا عمر بن الخطاب كانوا إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال : [ اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا ] .
فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس وأقبل الناس على العباس يتمسحون به ، ويقولون له : هنيئاً لك يا ساقي الحرمين ، وقال عمر رضي الله عنه ذلك : هذا والله الوسيلة إلى الله والمكان منه (البخاري والزبير بن بكار واللفظ له )
· ومنه ما رواه البيهقي وابن عبد البر، أن سيّدنا سواد بن قارب، قال بين يدي سيّدنا رسول الله :
وأشـــهد أن الله لا رب غـــــيره وأنك مأمــون على كل غـــــائب

وأنــــك أدنى المرسلين وسيـــــلة إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب

إلى قوله : فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك مغن عن سواد بن قارب
· وعن سيّدنا أنس بن مالك أن أعرابياً جاء إلى النبي فقال : يا رسول الله ! أتيناك ومالنا بعير يئط ، ولا صبي يغط ، ثم أنشد :
أتينـاك والعذراء يدمى لبـانها وقد شغـلت أم الصبي عن الطفـل

ولـيس لنـا إلا إليــــك فرارنا وأيــــن فرار النـاس إلا إلى الـرسل

فقام يجر رداءه حتى صعد المنبر فرفع يديه فقال : ((اللهم اسقنا غيثاً مغيثاً مريئاً مريعاً غدقاً طبقاً نافعاً غير ضار عاجلاً غير رائث تملأ به الضرع ، وتنبت به الزرع ، وتحيي به الأرض بعد موتها . قال فما رد رسول الله يديه حتى ألقت السماء بأردافها ، وجاء الناس يضجون الغرق ، فقال : حوالينا ولا علينا)) .. ثم قال : لله درّ أبي طالب، لو كان حياً لقرّت عيناه ؟
فقال علي بن أبي طالب عليهما السلام : كأنّك تريد يا رسول الله قوله:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ** مال اليتامى عصمة للأرامل

يطوف به الهلاك من آل هاشم ** فهم عنده في نعمة وفواضل

فقال النبي : أجل. ( الخطيب والبيهقي وغيرهم )
· ومنه ما رواه الحاكم والبيهقي وأبونعيم ، عن سيّدنا ابن عباس رضي الله عنهما: أنَّه لما تحارب الأوس والخزرج مع فارس والتقَوْا معهم بقُراقِر ــــ مكان قريب من الفرات ــــ جعلوا شعارهم إسم (محمد ) فنُصروا على فارس بذلك، وقد دخلوا بعد ذلك في الإِسلام.
· ومنه ما رواه السّمعاني والكرخي عن سيّدنا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر النبي ، و حثا من ترابه على رأسه، و قال: يا رسول الله، قلت فسمعنا قولك، ووعيت عن الله سبحانه و ما وعينا عنك، و كان فيما أنزل عليك ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ ] الآية، و قد ظلمت و جئتك تستغفر لي، فنودي من القبر: إنه قد غفر لك.
· ومنه ماجاء في (البداية والنّهاية) لابن كثير، أنّه لما قاتل سيدنا خالد بن الوليد مسيلمة الكذّاب .. كان شعارهم المسلمين يومئذ [يا محمداه] .
· وعن جعفر بن الحكم أن سيّدنا خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك، فقال : أطلبوها ، فلم يجدوها فقال : أطلبوها فوجدوها ، فإذا هي قلنسوة خلقة أي ليست بجديدة ،فلاموه في ذلك، فقال خالد : اعتمر رسول الله فحلق رأسه فابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة ، فلم أشهد قتالاً وهي معي إلا رزقت النصر .( الطبراني وأبو يعلى وسعيد بن منصور وابن سعد والحاكم والبيهقي وأبو نعيم وصححه الهيثمي) .
· وروى أبو نعيم في الحلية أن سيّدنا خبيب بن عدي الأنصاري رضي الله عنه لما قُدّم للقتل بعدما أنشد هذين البيتين من الشعر:
فلست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يـشأ يبارك عـــــلى أوصال شـــــلو مُمَزَّع

قال: يامحمد، ثم ضربوه فقتلوه.
إجماع العارفين :
يقول الغوث الأعظمقدس الله سره:
« إياك أن تحذف واسطة رسول الله وتكلم الله بلا واسطته ، فإنك تكون إذ ذاك مبتدعا لا متبعا ، والكامل لا يطأ مكانا لا يرى فيه قدم الاتباع لنبيه e فيه أبداً »([2]) .
يقول الشيخ أبو العباس التجاني قدس الله سره في جواهره :
« لا وسيلة أعظم من النبي ، ولا وسيلة إلى النبي أعظم من لصلاة
عليه . ومن جملة ما يبتغى من الوسيلة إلى الله تعالى الشيخ الكامل ، فإنه من أعظم الوسائل إلى الله تعالى » .

يقول الشيخ الأكبر قدس الله سره في فتوحاته:
وأما القطب الواحد فهو روح سيدنا محمد و هو الممد لجميع الأنبياء و الرسل سلام الله عليهم أجمعين و الأقطاب من حين النش‏ء الإنساني إلى يوم القيامة قيل له متى كنت نبيا فقال : (و آدم بين الماء و الطين) وقد أخذنا نحن عنه علوما جمة بما خد مختلفة و لهذا الروح المحمدي مظاهر في العالم أكمل مظهره في قطب الزمان و في الأفراد و في ختم الولاية المحمدي .
ويقول الشيخ عبد الكريم الجيلي قدس الله سره :
لا يأخذ عن الله بلا واسطة إلا رسولنا ، لأنه سيّد العبيد والعبد المقرب الذي يدخل الخلوة الخاصة بالملك ، وجميع ما عداه من الآخذين لا يأخذون ما يأخذونه إلا بواسطة ، وهم متفاوتون في الأخذ ، فمنهم : من يأخذ عنه بلا واسطة وهم الأنبياء والرسل بأجمعهم والكمل من ورثته من التابعين من أمته … ومنهم : من يأخذ عنه بالواسطة ” .
ويقول الشيخ محمد بهاء الدين النقشبنديقدس الله سره :
وجب عليك أن تدخل نفسك بالكلية في مقام : ]فَاتَّبِعُونِي( ، وتراعي ذلك في جميع الأحوال على سبيل الوجوب ، وتعلم أنه واسطة الحق تعالى في جميع الموجودات ، كل شيء وكل أحد منطرح على أعتابه .
ويقول الشيخ الكتاني قدس الله سره ( خبيئة الكون ) :
الحقيقة المحمدية برزخ بين الله تعالى، وبين سائر الخلائق بقوة ما أوتيت من السراح والإطلاق في العوالم العلوية والسفلية،.. فوضع تعالى ببديع صنعه ذلك البرزخ المحمدي في العالم واسطة تقع عليه التجليات وعنه تفاض, فكأنه ليس للحق سبحانه في ملكه إلا هذه الحقيقة المحمدية، إذ هي التي تتلقى الشؤون الحقانية منها إلى الحق بدون برزخية برزخ آخر وتفيض على الأكوان »
وقال الشيخ أبو المحاسن يوسف بن محمد المغربي قدس الله سرّه :
وبالجملة فهو إكسير السّعادة، فكلّ سعيد في الكون ، فسعادته بواسطة بركاته ، وقرب منزلته من مولاه على حسب استمداده منه ، فمن حصل له شرب من ذلك ، ليس إلّا بمدد باطن كلّ على حسب مقامه المقدر له أزلّا .
فالسّر الأحمدي السّاري في الوجود ، والممد لكل موجود ، كالبحر المحسوس المنبسط على وجه الأرض ، وامتدت منه جداول وأنهار ، وانتشرت في أقاليم الأرض وسائر الأقطار ، فكلّ مدّة انبسطت منه حيثما كانت ، فهي عينه باعتبار ذاته ، وغيره باعتبار تعينه .
ولك أن تقول أنّ الأنوار الظاهرة على الأولياء إنما هي من إشراق أنوار النبوة عليهم ، فمثل الحقيقة المحمدية كالشمس ، وقلوب الأولياء كالأقمار ، وإنما ظهر القمر وأضاء لظهور نور الشمس فيه ، ومقابلته إيّاها.
فإذا : الشمس مستمرة الوجود ، مضيئة نهارا وليلا ، لظهور نورها على القمر الممد منها ، فلا غروب لها في وقت ما ، فافهم.
فعلى هذا يجب دوام أنوار الأولياء لدوام ظهور أنواره فيهم ، فهو الظاهر عليهم والباطن فيهم، لأن أرواحهم متعلقة بروحه الشريف وروحه واسطة بين الحدوث والقدم، فلا دخول لأحد إلّا من بابه ولا وصول إلّا به، فبقدر وجهة العبد وحاذاته له بهويته وسرّه ، ينجذب لحضرة ربّه بواسطته انجذاب الحديد بالمغناطيس، وقد أشار لهذا بقوله ” من رآني فقد رأى الحق “.
فأرواح العارفين والمرسلين ، تتلقى من روحه العلوم والحكم والمعارف الربانيّة والأسرار الملكوتيّة ، فكل ما عندهم إنّما هو نقطة من بحره .
يقول الشيخ عبد الكريم الجيلي قدس الله سره:
الخلافة المحضة فيما مَنَّ الله تعالى لسيدنامحمد وحده . وللأنبياء والأولياء الكمل نوابه، فهم خلفاء خلافته » .
وقال سيدي الكتاني قدس الله سره:( في الرقائق الغزلية ) :
بل نقول من يوم برزتروحانيته من غياهب الأزل، وهي تسقي بدولابها جميع الأنبياء والأرسال والملائكة، وجميعالأمم وكل ذرة من الوجود. فليس هناك أحد يقدر على التلقي مباشرة إلا منه وبه وفيه،فالكل مستمد من جواهر حقيقة ماهيته .
ويقول مصطفى بن محيي الدين نجا قدس الله سره:
والحاصل أن الله تبارك وتعالى جعل الحقيقة المحمدية ، واسطة الإيجاد لمخلوقاته تفضلاً منه وإحساناً، فهو الشّأن الكلي الجامع لكل الشّؤون ، فالأرواح الّتي لا تشاهد ذلك ولا تدرك أنه روحها وعين حياتها، كأنها أموات…
ويقول الشيخ محمد بن الطيب الفاسي القادري الحسني قدس الله سره :
… فهو الواسطة بين الخلائق وبين ربها تعالى ، في سائر الإمدادات ، كما أن القمر واسطة بين الشمس والخلائق في استمداده من نورها، وإشراق النور عليهم فيهتدون به في الظلام . ولولا أنه واسطة ماقدر أحد على تلقي العلوم من حضرة الربوبية المقدسة .
ويقول الإمام القشيري في رسالته :
عن الشيخ معروف الكرخي قدس سره أنه قال لتلامذته: إن كانت لكم إلى الله حاجة فأقسموا عليه بي فإني الواسطة بينكم وبينه جل جلاله الآن، وذلك بحكم الوراثة عن المصطفى .
وتجد الإمام القشيري في تفسيره كثيرا ما يلقب الحبيب بالواسطة فيقول مثلا : الاعتصام بحبله- سبحانه- التمسك بآثار الواسطة- العزيز صلوات الله عليه- وذلك بالتحقق والتعلّق بالكتاب والسّنّة.
ويقول في آية (وَما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) أنت الواسطة بيننا وبين أوليائنا، ولك البرهان الأعلى والنور الأوفى تبلّغ عنّا وتؤدّى منّا، فأنت رحمة أرسلناك لأوليائنا .
ويقول الشيخ ابن قضيب البان قدس الله سره :
وقال لي الحق سبحانه : القطب الفرد الواحد في كل زمان هي الحقيقة المحمدية ، ولكل زمان قطب منها ، وهو خطيب سر الولاء بكلمة : بلى ، وهو شمس عروس ( أَشْهَدَهُم )، وساقي عشاق أشواق : ( إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي )، بأقداح راح : ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه )، ومُشَنِّف سمع الجميع بلذيذ لحن : ( فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه ) ، ومقيم شميم المحبين بروح نسيم : ( وَهُوَ مَعَكُم ) ، وحاكم معالم الوجود بسلطان : ( أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ) ، وهو كوكب ليل الفلك ، وقمر سماء الملك ، ونقطة حرف كلمة سورة الكتاب المبين ».
وقال الامام محمّد داود القيصري قدس الله سرّه في ( الفكوك) :
إنّ الإنسان الكامل الحقيقي هو البرزخ بين الوجوب والإمكان، والمرآة الجامعة بين صفات القدم وأحكامه، وبين صفات الحدثان، وهو الواسطة بين الحق والخلق، وبه ومن في مرتبته يصل فيض الحق، والمدد الذي هو سبب بقاء ما سوى الحق، في العالم كله علوا وسفلا. ولولاه من حيث برزخيته التي لا تغاير الطرفين، لم يقبل شئ من العالم المدد الإلهي الوحداني، لعدم المناسبة والارتباط.
وقال الإمام إسماعيل حقي البروسوي في “روح البيان
وفى الحديث (ما من دعاء الا بينه وبين الله حجاب، حتى يصلّى على محمّد وعلى آل محمد، فاذا فعل ذلك انخرق الحجاب ودخل الدّعاء، وإذا لم يفعل ذلك رجع الدعاء) وسره أن نبينا هو الواسطة بيننا وبينه تعالى والوسيلة ولا بد من تقديم الوسيلة قبل الطلب وقد قال الله تعالى (وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) .
ويقول الإمام ابن عجيبة في ( البحر المديد ) :
في تفسير (وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ ) : المراد من هذه الآية تحقيق نبوته صلى الله عليه وسلم ومعرفته الخاصة، وهي سُلَّم، ومعراج إلى معرفة الله تعالى لأنه الواسطة العظمى، فمهما عرفته المعرفة الخاصة عرفت الله تعالى، فمنه استمدت العلوم كلها علم الربوبية، من طريق البرهان، وعلمها من طريق العيان، وعلم المعاملة الموصلة إلى الرضا والرضوان.
ويقول قدّس الله سرّه في تفسير آية (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ ) :
الإشارة : متابعته- عليه الصلاة والسلام، والاقتباس من أنواره، والاهتداء بهديه، وإيثار محبته، وأمره على غيره لا ينقطع عن المريد أبداً، بدايةً ونهايةً إذ هو الواسطة العظمى، وهو أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأرواحهم وأسرارهم. فكل مدد واصل إلى العبد فهو منه ، وعلى يده، وكل ما تأمر به الأشياخ من فعل وترك في تربية المريدين، فهو جزء من الذي جاء به. وهم في ذلك بحسب النيابة عن النبي لأنهم خلفاء عنه. وكل كرامة تظهر فهي معجزة له ، وكل كشف ومشاهدة فمن نوره ، قال ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه: اعلم أن كل وَليّ لله تعالى إنما يأخذ ما يأخذ بِوَاسِطَةِ رُوحَانِيَّةِ النبي ، فمنهم مَن يعرف ذلك، ومنهم مَن لا يعرفه، ويقول: قال لي الله، وليس إلا تلك الروحانية. هـ. وهو موافق لما أشار إليه الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه، حيث قال: الوليّ إنما يكاشف بالمثال، كما يرى مثلاً البدر في الماء بواسطته، وكذلك الحقائق الغيبية، والأمور الإشهادية مجلوة وظاهرة فى بصيرة النبي ، وله عياناً لا مثالاً. والوليّ لقربه منه ومناسبته له لهديه بهديه، ومتابعته له يُكاشف بمثال ذلك فيه، فظهر الفرق وثبتت مزية النبي ، وانتفى اللبس بين النبوة والولاية » .
ويقول الشيخ أحمد العلّاوي الحسني المستغانمي :
« الرّسول : هو الواسطة بين الحدوث والقدم ، نعم هو الواسطة إذ لولاه لكان الوجود متهدماً ؛ لأن الحدوث إذا تلافى مع القدم تلاشى الحدوث وبقي القدم . ولما كان الرسول مناسباً للجانبين كان العالم منتظماً . فهو من حيث ظاهره نقطة من
طين ، ومن حيث باطنه خليفة رب العالمين »
([3]) .

ويقول الإمام الجيلي قدّس سرّه في ( الكمالات الإلهيّة في الصّفات المحمّديّة )
لما تطرّق لحديث (كنت نبياً، وآدم بين الماء والطين) : فتخصيص الحديث بذكر سيّدنا آدم دليل واضح بأن رسول الله كان واسطة بين الله وبين آدم، حتى بُعث آدم نبيا لأجل النسبة المحمدية. وإذا كان آدم معه تلك المثابة فما قولك فى ذريته. إذ ذلك من باب الأولى، ولهذا أخذ الله من أجله الميثاق على النبيين أن يؤمنوا به، وينصروه.
فأخذ الله عليهم الميثاق أن يؤمنوا بكمالاته إيماناً بالغيب ليكون ذلك سبباً لهم إلى المفاوز الذاتية فيحصلوا بذلك فى مراتب الأكملية، ويلحقوا به لعلمه أنهم لا يدركون ذلك إلا بواسطة سيّدنامحمد .
وسَرُّ هذا الأمر أنه مظهر الذات، والأنبياء مظاهر الأسماء والصفات، وبقية العالم العلوي والسّفلي مظاهر أسماء الأفعال، ما خلا أولياء الأُمَّة المحمّديّة فإنهم كالأنبياء مظاهر الأسماء والصفات لقوله : (علماء أمتى كأنبياء بنى إسرائيل).
فإذا علمت أنه كان سبباً بين الله وبين خواص الإنس والملك، فمن طريق الأولى أن يصح كونه نسبة بين الله وبين عوالمها، وبقية الموجودات عطف على هذين الجنسين.
فعلم مما أوردناه انه لو لم يكن موجوداً لما كان شئ من الوجودات يعرف ربه، بل لم يكن العالم موجوداً لأن الله ما أوجد العالم إلا لمعرفته. فلوا أنه علم من قوابلهم عدم المعرفة لعدم النسبة، لما كان يوجدهم، بل أوجد النسبة أوّلاً، ثمّ أوجدهم من تلك النسبة، لكى يعرفوه بها، ولو لم تكن النسبة لم يكونوا،وإلى ذلك أشار الحديث القدسي: (لولاك لما خلقت الأفلاك) .
فكما أنّ الصّفات فرع من الذات، كذلك العالم فرع عن الحبيب فهو واسطة بين الله تعالى وبين العالم.

آراء ساداتنا الفقهاء في الواسطة
ويقول الشّيخ شمس الدين السفاريني الحنبلي ( لوامع الأنوار ) :
ثُمَّ إِنِّي بَعْدَ ابْتِدَائِي بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ – تَعَالَى – بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، عَقَّبْتُهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ إِظْهَارًا لِعَظَمَةِ قَدْرِهِ، وَأَدَاءً لِبَعْضِ حُقُوقِهِ الْوَاجِبَةِ، إِذْ هُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، وَجَمِيعُ النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ إِلَيْهِمُ الَّتِي مِنْ أَعْظَمِهَا الْهِدَايَةُ لِلدِّينِ الْقَوِيمِ إِنَّمَا هِيَ بِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ – .
ويقول الامام الشّوكاني اليمني في ” نيل الأوطار” :
أَرْدَفَ الْحَمْدَ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ لِكَوْنِهِ الْوَاسِطَةَ فِي وُصُولِ الْكَمَالَاتِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ إلَيْنَا مِنْ الرَّفِيعِ عَزَّ سُلْطَانُهُ وَتَعَالَى شَأْنُهُ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ فِي نِهَايَةِ الْكَمَالِ وَنَحْنُ فِي نِهَايَةِ النُّقْصَانِ لَمْ يَكُنْ لَنَا اسْتِعْدَادٌ لِقَبُولِ الْفَيْضِ الْإِلَهِيِّ لِتَعَلُّقِنَا بِالْعَلَائِقِ الْبَشَرِيَّةِ وَالْعَوَائِقِ الْبَدَنِيَّةِ، وَتَدَنُّسِنَا بِأَدْنَاسِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ الْجِسْمِيَّةِ، وَكَوْنِهِ تَعَالَى فِي غَايَةِ التَّجَرُّدِ وَنِهَايَةِ التَّقَدُّسِ.
فَاحْتَجْنَا فِي قَبُولِ الْفَيْضِ مِنْهُ جَلَّ وَعَلَا إلَى وَاسِطَةٍ لَهُ وَجْهُ تَجَرُّدٍ وَنَوْعُ تَعَلُّقٍ، فَبِوَجْهِ التَّجَرُّدِ يَسْتَفِيضُ مِنْ الْحَقِّ، وَبِوَجْهِ التَّعَلُّقِ يَفِيضُ عَلَيْنَا، وَهَذِهِ الْوَاسِطَةُ هُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَأَعْظَمُهُمْ رُتْبَةً وَأَرْفَعُهُمْ مَنْزِلَةً نَبِيُّنَا فَذُكِرَ عَقِبَ ذِكْرِهِ – جَلَّ جَلَالُهُ – تَشْرِيفًا لِشَأْنِهِ مَعَ الِامْتِثَالِ لِأَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ.
ويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور التّونسي في ( التّحرير والتّنوير) :
في تفسير آية ( تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ) وَفِي اسْتِحْضَارِ الْجَلَالَةِ بِعُنْوَانِ (رَبِّ) مُضَافًا إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطب وَهُوَ النَّبِي إِشَارَةٌ إِلَى مَا فِي مَعْنَى الرَّبِّ مِنَ السِّيَادَةِ الْمَشُوبَةِ بِالرَّأْفَةِ وَالتَّنْمِيَةِ، وَإِلَى مَا فِي الْإِضَافَةِ مِنَ التَّنْوِيهِ بِشَأْنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَإِلَى كَوْنِ النَّبِيءِ هُوَ الْوَاسِطَةُ فِي حُصُولِ تِلْكَ الْخَيِّرَاتِ لِلَّذِينِ خَافُوا مَقَامَ رَبِّهِمْ بِمَا بَلَّغَهُمُ النَّبِيءُ مِنَ الْهُدَى.
وقال في آية «يــــس» : قيل إن قوله سبحانه (يس) إشارة إلى سيادته على جميع المخلوقات، فالسّيد المتولي للسّواد أي الجماعة الكثيرة، وهي هاهنا جميع الخلق، فكأنه قيل: يا سيد الخلق وتوليته عليه عليهم لأنه الواسطة العظمى في الإفاضة والامداد، وفي الخبر: (الله تعالى المعطي وأنا القاسم)
فمنزلته من العالم بأسره بمنزلة القلب من البدن، فما ألطف افتتاح قلب القرآن بقلب الأكوان، وفي السّين بيناتها وزبرها أسرار لا تحصى، وكذا في مجموع يس وَالْقُرْآنِ قد يكون إشارة إليهفقد ذكر الصّوفية أنه يشار به إلى الإنسان الكامل وكذا الكتاب المبين وعلى ذلك جاء قول الشيخ الأكبر قدس سره :
أنا القرآن والسبع المثاني … وروح الروح لا روح الأواني

ويقول الشّيخ عبد الرؤوف المناوي في ( شرح الجامع الصّغير) :
في قوله : (إِنَّمَا أَنا رَحْمَة) أَي ذُو رَحْمَة أَو مبالغ فِي الرَّحْمَة، حَتَّى كَأَنِّي عينهَا، (مهداة) أَي مَا أَنا إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين، أهداها الله لَهُم، فَمن قبل هديتي أَفْلح، وَمن أَبى خسر، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ الْوَاسِطَة لكل فيض .
ويقول الشيخ شمس الدين الحطّاب في ( شرح مختصر خليل ) :
أَتْبَعَ – رَحِمَهُ اللَّهُ – حَمْدَ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى نَبِيِّهِ أَدَاءً لِبَعْضِ مَا يَجِبُ لَهُ إذْ هُوَ الْوَاسِطَةُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ الْعِبَادِ وَجَمِيعُ النِّعَمِ الْوَاصِلَةِ إلَيْهِمْ الَّتِي أَعْظَمُهَا الْهِدَايَةُ لِلْإِسْلَامِ، إنَّمَا هِيَ بِبَرَكَتِهِ وَعَلَى يَدَيْهِ .
وقال : الشّيخ الدّردير في ( أقرب المسالك لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ مَالِكٍ) :
وَكُلُّ بَرَكَةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَهِيَ مِنْ بَرَكَاتِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ – الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَنُورُهُ أَصْلُ الْأَنْوَارِ ، فَهُوَ الْوَاسِطَةُ فِي جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَلَوْلَاهُ مَا كَانَ شَيْءٌ كَمَا «قَالَ اللَّهُ لِآدَمَ وَلَوْلَاهُ مَا خَلَقْتُك» إذْ لَوْلَا الْوَاسِطَةُ لَذَهَبَ كَمَا قِيلَ الْمَوْسُوطُ.
وقال الإمام الصّاوي في (بلغة السّالك شرح أقرب المسالك ) :
في آداب الأكل .. وَيُنْدَبُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى الْوَاسِطَةِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وسلّم .
ويقول الشّيخ محمد عليش المالكي في (منح الجليل شرح مختصر خليل) :
وَلَمَّا كَانَ سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ هُوَ الْوَاسِطَةَ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ عِبَادِهِ فِي كُلِّ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عَلَيْهِمْ وَلَا سِيَّمَا الْإِسْلَامُ وَشَرِيعَتُهُ تَأَكَّدَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ بَعْدَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ «مَنْ صَنَعَ مَعَكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تُكَافِئُوهُ فَادْعُوا لَهُ»
ويقول الشّيخ صالح الأزهري في ( الثمر الدّاني شرح رسالة القيرواني) :
وإنما ثنى بالصّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، طلبا لمزيد الكمال للذات الأحمدية، الّتي هي الواسطة العظمى في كل نعمة .
ويقول الحافظ أحمد بن حجر الهيتمي في ( تحفة المحتاج في شرح المنهاج) :
السَّلَامُ أَيْ السَّلَامَةُ مِنْ الْآفَاتِ عَلَيْك، خُوطِبَ إشَارَةً إلَى أَنَّهُ الْوَاسِطَةُ الْعُظْمَى الَّذِي لَا يُمْكِنُ دُخُولُ حَضْرَةِ الْقُرْبِ إلَّا بِدَلَالَتِهِ وَحُضُورِهِ، وَإِلَى أَنَّهُ أَكْبَرُ الْخُلَفَاءِ عَنْ اللَّهِ تعالى، فَكَانَ خِطَابُهُ كَخِطَابِهِ …
ويقول الشّيخ البُجَيْرَمِيّ في حاشيته على (شرح الخطيب لمتن ابي شجاع) :
حِكْمَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فِي مَبَادِي الْكُتُبِ وَالْحَاجَاتِ أَنَّ الْفَاعِلَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ بِجَانِبِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَيَسْأَلَهُ إفَاضَةَ طِلْبَتِهِ وَإِنْجَاحَ بُغْيَتِهِ، لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ نَوْعِ مُلَاءَمَةٍ وَقُرْبٍ بَيْنَ الطَّالِبِ وَالْمَطْلُوبِ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْمُلَاءَمَةُ مُنْتَفِيَةٌ فِي حَقِّنَا لِكَوْنِنَا مُتَدَنِّسِينَ بِأَدْنَاسِ اللَّذَّاتِ الْحِسِّيَّةِ وَالشَّهَوَاتِ الْجِسْمِيَّةِ وَذَاتُ الْمَوْلَى عَزَّ وَجَلَّ فِي غَايَةِ التَّقَدُّسِ وَالتَّطَهُّرِ، فَاحْتَجْنَا إلَى وَاسِطَةٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ مُتَجَرِّدَةٍ عَنْ تِلْكَ الْأَدْنَاسِ، وَتِلْكَ الْوَاسِطَةُ هُوَ الْمُصْطَفَى لَكِنْ لَا بُدَّ لِتِلْكَ الْوَاسِطَةِ مِنْ هَدِيَّةٍ إلَيْهِ وَهَدِيَّتُهُ اللَّائِقَةُ بِهِ طَلَبُنَا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ .
ويقول الشّيخ أبوبكر بن شطا الدمياطي في حاشيته على (فتح المعين) :
وإنما صلى وسلم المؤلف في أول كتابه امتثالا لأمر الله تعالى في قوله : (يأيها الذين آمنوا صلوا) ، ولما قام على ذلك عقلا ونقلا من البرهان.
أما نقلا فقوله تعالى: (ورفعنا لك ذكرك) أي لا أذكر إلا وتذكر معي.
وأمّا عقلا: فلأن المصطفى هو الذي علمنا شكر المنعم، وكان سببا في كمال هذا النوع الإنساني، فاستوجب قرن شكره بشكر المنعم، عملا بالحديث القدسي: عبدي لم تشكرني، إذا لم تشكر من أجريت النعمة على يديه.
ولا شك بأنه الواسطة العظمى لنا في كل نعمة، بل هو أصل الإيجاد لكل مخلوق، كما قال ذو العزة والجلال : (لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك) .
وختم حاشيته هذه بهذه الصلاة (والصّلاة والسّلام على الواسطة العظمى لنا في كل نعمة، وعلى آله وأصحابه، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون) .
ويقول الشّيخ أبو الحسن التُّسُولي (البهجة في شرح التّحفة) :
وَأَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم، مُوجبا للخلود مَعَ الْأَحِبَّة وَالْمُسْلِمين فِي جنَّة النَّعيم، بجاه عين الرَّحْمَة، الْوَاسِطَة فِي كل نعمة، سيدنَا مُحَمَّد الْمُصْطَفى الْكَرِيم؛ الْقَائِل: (توسلوا بجاهي، فَإِن جاهي عِنْد الله عَظِيم) .
وقَالَ قُطْبُ الدّين الإيجي الحسيني فِي شَرْحِ الْمَطَالِعِ :
إنَّ الْكِمَالَاتِ مُسْتَفَاضَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى، وَالنَّفْسُ الْإِنْسَانِيَّةُ فِي غَايَةِ الْعَلَائِقِ الْبَدَنِيَّةِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى فِي غَايَةِ التَّجَرُّدِ عَنْهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ وَاسِطَةٍ ذِي جِهَتَيْنِ :التَّجَرُّدُ وَالتَّعَلُّقُ، فَالنَّفْسُ تَسْتَفِيضُ مِنْ الْوَاسِطَةِ بِجِهَةِ التَّعَلُّقِ، وَالْوَاسِطَةُ تَسْتَفِيضُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِجِهَةِ التَّجَرُّدِ، فَالْوَاسِطَةُ لَنَا مَالِكُ أَزِمَّةِ الْجِهَتَيْنِ وَلَا بُدَّ لَنَا مِنْ وَاسِطَةٍ أَيْضًا إلَى ذَلِكَ الْوَاسِطَةِ لِكَمَالِ قُصُورِنَا، وَهُوَ الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْوَسَائِلِ.
وقال الإمام العزفي في شرح الدّلائل :
وهذا الوصف “الآمر والنّاهي”على الحقيقة لله لكنه لما كان الواسطة بينه وبين عبيده أضيف ذلك إليه؛ إذ هو يشاهد آمرا وناهيا، ويعلم بالدليل أن ذلك واسطة، ونقل من الذي له ذلك الوصف حقيقة .
ويقول الدّكتور عبد المنعم الحفني رحمه الله :
« الإنسان الكامل الحقيقي : هو البرزخ بين الوجوب والإمكان، والمرآة الجامعة بين صفات القدم وأحكامه وبين صفات الحدثان، وهو الواسطة بين الحق والخلق، وبه وبمرتبته يصل فيض الحق والمدد الذي سبب بقاء ما سوى الحق إلى العالم كله علوا وسفلا ، ولولاه من حيث برزخيته التي لا تغاير الطرفين لم يقبل شيء من العالم المدد الإلهي الوحداني لعدم المناسبة والارتباط ، ولم يصل إليه … »([4]) .
إجماع الأئمة على الاستغاثة والتّوسل :
· لمّا سأل أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الإمام مالكا في الحرم النبوي صلى الله وسلّم على ساكنه : يا أبا عبد الله، أأستقبل رسول اللهوأدعو؟ أم أستقبل القبلة وأدعو؟ فقال له مالك: ولـمَ تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله عز وجل [5].
· ويقول الإمام الشافعي كما في كتاب ( الصّواعق المحرقة ) يتوسل بآل البيت عليهم السّلام :
آل النّــــبــــي ذريـــــعتـي وهمو إليــــه وســـيلتي
أرجو بــهم أعُطى غــداً بيدي اليمين صحيفتي
· وقال الإمام احمد في الزيارة النبوية … فإذا أردت الخروج فائت المسجد وصلِّ ركعتين وودِّع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل سلامك الأول ، وسلم على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، وحول وجهك إلى القبلة وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه صلى الله عليه وسلم تقض من الله عز وجل“([6]) .
· وجاء في المواهب اللّدنية للإمام القسطلّاني: عن الإمام الحسن البصري قال: وقف حاتم الأصم على قبره ، فقال يا رب إنا زرنا قبر نبيك فلا تردنا خائبين، فنودي: يا هذا، ما أذنا لك في زيارة قبر حبيبنا إلا وقد قبلناك فأرجع أنت ومن معك من الزوار مغفورا لكم.
· وذكر العلامة السّيّد طاهر بن محمد هاشم باعلوى في كتابه: المسمى [مجمع الأحباب] في ترجمة الإمام الترمذي صاحب السّنن، أنه رأى في المنام ربّ العزة تعالى فسأله عما يحفظ عليه الإيمان ويتوفاه عليه؟ قال فقال لي قل بعد صلاة ركعتي الفجر قبل صلاة فرض الصبح: إليه بحرمة الحسن وأخيه وجده وبنيه وأمه وأبيه، نجني من الغم الذي أنا فيه، يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام أسألك أن تحيي قلبي بنور معرفتك يا الله يا الله يا الله يا أرحم الراحمين ; فكان الإمام التّرمذي يقول ذلك دائما بعد صلاة الصّبح ويأمر أصحابه به ويحثهم على المواظبة عليه .
· وقال الشّيخ ابن الحاج المالكي في “المدخل” :
فالتّوسل به عليه الصّلاة والسّلام هو محل حطّ أحمال الأوزار وأثقال الذنوب والخطايا، لأن بركة شفاعته عليه الصّلاة والسّلام وعِظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، إذ إنها أعظم من الجميع، فليستبشر من زاره ويلجأ إلى اللّه تعالى بشفاعة نبيه عليه الصّلاة والسّلام ومَن لم يزره، اللّهم لا تحرمنا شفاعته بحرمته عندك آمين يا رب العالمين، ومن اعتقد خلاف هذا فهو المحروم
· وقال الإمام السّبكي في كتابه “شفاء السّقام“:
اعلم أنه يجوز ويحسن التّوسل والاستعانة والتّشفع بالنبي إلى ربه سبحانه وتعالى وجواز ذلك وحُسْنُه من الأمور المعلومة لكل ذي دين المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين ، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يلبس فيه على الضعفاء الأغمار، وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار … ” اهـ
· وقال الإمام أحمد القسطلّاني في “المواهب اللّدنية“:
وينبغي للزائر له أن يكثر من الدّعـاء والتّضرع والاستغاثة ‏والتّشفع والتّوسل به ، فجدير بمن استشفع به أن يشفعه اللّه فيه.
وإن الاستغاثة هي طلب الغوث‏ فالمستغيث يطلب من المستغاث به إغاثته أن يحصل له الغوث، فلا فرق بين أن يعبر بلفظ الاستغاثة، أو التوسل، أو التشفع، أو التوجه أو التجوه لأنهما من الجاه والوجاهة، ومعناهما علو القدر والمنزلة وقد يتوسل بصاحب الجاه إلى من هو أعلى منه.
· ولقد ألّف الشيخ محمد بن موسى المزالي المراكشي رحمه الله، كتابا في أحوال المتوسّلين والمستغيثين بالجناب الشّريف سماه (مصباح الظلام في المستغيثين بخير الانام في اليقظة والمنام) ، وهو خاتمة حجّة في بابه، ومن قرأه سيرى كيف اجتمعت الأمّة المحمّدية سلفا وخلفا، على التّوسل بحبيبها ، و هذه الأمّة لا تجتمع على ضلالة .
وصل به :
وهذا جائز عندنا في الملّة الحنيفيّة ، حتّى لمن دونه من ورثته ، وانظر إلى قوله سبحانه (فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه) ، بل هذا سيّدنا سليمان وهو رّسول معصوم يقول لصحابته ( أيّكم ياتيني بعرشها ) ، وأولئك إخوة سيّدنا يوسف عليهم السلام يقولون لأبيهم عليه السلام (قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ).
وقال سبحانه وتعالى في حقّ سيّدنا الكليم ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا) وقال سبحانه وتعالى في حقّ سيّدنا المسيح (يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) .
وذلك سيّدنا يوسف الكريم عليه السلام يقول للرّجل ( أذكرني عند ربّك) وهو السّلطان الذي كان آنذاك كافرا، وإياكم أن تقولوا كمن قال : ولهذا نسي صاحبه الوصيّة، فنقول قال تعالى ( فأنساه الشّيطان) ولم يقل فأنساه الرحمن .
وكذلك المتتبّع في السنّة الشّريفة يجد الكثير من النّماذج التي فيها التوسط بغيره ومنها على سبيل المثال :
ما رواه الطبراني وأبو يعلي والبزّار والبيهقي وابن أبي شيبة وابن السّنّي عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله : (إذا ضل أحدكم شيئا، أو أراد أحدكم غوثا، وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل : يا عباد الله أغيثوني ، يا عباد الله أغيثوني، فإن لله عبادا لا نراهم) .
قلت ولا إشكال في هذا من جهة التّوحيد، لأنه في كلتا الحالتين لا معطي إلّا الله تعالى، وإنّما نحن نتوسل ونتوسّط ونستشفع بهم، ولم نقل بأنّهم يخلقون لنا مطالبنا، ولم نقل بأنّهم أنداد لله سبحانه وتعالى !!
وذلك لأنّ للخلائق مظهريّة الأفعال، ولله تعالى مصدريّـتها، فنحن آليات تأثير الأسماء الإلهية، نعم إنّه لا معطي ولامانع ولا فاعل حقيقة، إلّا هو سبحانه وتعالى، ولكن لايجوز لنا ترك الأسباب الكونيّة، وننتظر الرّزق حتّى ينزل من السّماء، ولا يجوز لنا أيضا أن ننسب الأفعال القبيحة إليه سبحانه، كالقتل والفساد والتّخريب..، مع أنّها كلّها بأمر الله تعالى .
الخاتمة
هذا وإنّ فائدة معرفة كمال الوساطة فيه تتجلّى في عقيدتنا العرفانيّة، وفي سلوكنا الوجداني، حيث أنّها ترتبط بالشّهادتين إرتباطا إيمانيّا وثيقا، ومن جهة أخرى تمتّ إلى التّعلّق بصلة وجدانيّة متينة، وبها بلغ العارفون تلك الغاية السّامية في القربان .
ثمّ أقول إلى سفهاء الأحلام، من الذين أنكروا مثل هذه الكمالات القويمة، أنّه قد لبّس عليكم إبليس في المفاهيم، فحبذا لو إلتحقتم بمدارس التّعليم، لتتضرّبوا على المنطق السّليم، ثم تعالوا لتناقشوا أولي البصائر في الحقائق.
وإمّا إن لم تكن علّتكم في الإدراك، فالمصيبة أدهى وأمرّ، فلقد أصبتم في إيمانكم بضعف محبّتكم لسيّدكم ومولاكم ، وحينها عليكم بتجديد الإيمان، والعياذ بالله منكم ومن إفرازاتكم السّامّة .
وأخيرا سأغلق هذا البحث العميق، بفصل من ” ألفية الحقيقة المحمّديّة” خاصّ بهذا الموضوع المقدّس، وهو كالإجمال لما فصلته هنا في هذه الرّسالة :

الواسطة ¨

منذُ تَجلّى النّورُ بالوجودِ

إفتَقرَ الإمكانُ للمُدودِ

فالإفتقارُ لازِمُ البرايا

مِن البدايةِ إلى النّهايا

لكنَّما بحرُ الصّفاتِ طامي

ومَخزنُ الإمدادِ عنّا سامي

لا بُدّ مِن واسطةٍ ما بَيننا

وبين قُدسِها تُزيلُ بَينَنا

وإلّا مَن يُكافح المجالي

فأنَّى للآبادِ بالآزال

ومَن يَخُوضُ لُجَجَ النُّعوتِ

سوى الّذي تَحلّى باللاّهوت

ذاك الّذي رَوى مِن العَينَينِ

فصار برزخًا إلى البحرينِ

لِيّلا تَطغى مَوجةُ الحقائِقْ

بِفَيضانِها على الخلائِقِ

وكَيْلا نَغرقَ في طمطامِ العَدَمْ

فالـصّرفُ تأباهُ مَشيئةُ الكرم

۞۞۞

أعظِمْ بقطبِ دولةِ الإمكانِ

مَن جادَ بالزّمانِ والمكانِ

تَفجّرَ الرّبيعُ بالسُّعودِ

وظلّ في الوجودِ مَحضُ جُودِ

تولّدتْ مِن نورهِ الخليقَهْ

وانبجَسَتْ مِن سرّهِ الحقيقِهْ

فالخلقُ رِقُّهُ إلى الآبادِ

والأمرُ حَقُّهُ على العبادِ

لا ريبَ أنْ قامَتْ به الأنامُ

قِوامُهُ وإلّا فالإعدامُ

لَوزالَ مادامَ البقاءُ للورى

لكنّ هذا الـسِّرَّ عنّا استترى

كسريـانِ الرُّوحِ في الأشباحِ

وكحلولِ النُّورِ في المصباحِ

أمَّهةُ الأرواحِ لاتَزولُ

وهل لأنوارِ الأنا أُفُولُ

هو القيّومُ ما الوَرى لولاهُ

ما في الوجودِ دائِمٌ إلّاهُ

يُقَسِّمُ الرِّزقَ على الخلائِقْ

بقدْرِ ما تَقْبَلُهُ الرّقائقْ

يَموجُ بالأسرارِ والأنوارِ

تفضّلا فضلًا عنِ الآثار

ففي النّزولِ نورُهُ الحجابُ

وفي التراقي سرُّهُ البَّوّابُ

نُزولُهُ يومئذٍ أمانُ

وهو لَنا غَدْوَئِذٍ رِضوانُ

۞۞۞

ذَوُو الوَحى باتُوا عليه عالَهْ

في العزمِ والأنباءِ والرّسالَهْ

يَرجونَ مِن أنوارِهِ حُرَيْرَهْ

فأغرقَتْهُمْ أبدًا قُطَيْرَهْ

ربّاهُمُ على مِهادِ القُدسِ

ولايزالونَ غدًا كالأمْسِ

يرضِعُهُمْ مِن ريقِهِ الأناني

عُصارةً مِن خمرةِ القرآنِ

أمَدّهُم بالأمرِ والرّيّاسَهْ

حتّى غدوا للعالَمينَ ساسَهْ

علَّمَهُم منهُ بِلا حروفِ

فهوَ عينُ الوَصفِ والموصوفِ

ودَولةُ الأملاكِ بالمدارِجْ

مَن شَدّهم بالأيْدي والمعارِج

نُوابُهُ في قِسمةِ المدودِ

خلائفٌ له على الوجودِ

وسُلطةُ النّوبةِ والدّيوانِ

لايَبْرحونَ خدمةَ الإيوانِ

فالغَوثُ مِن بُحورهِ يُغيثُ

والقائمون كلّهمْ ورِيثُ

وآلهُ مَواقِعُ النُّزولِ

سَبيلُنا اللّازمُ للدُّخولِ

لَمّا غدَا عليهمُ المدارُ

إرْتكزَتْ عليهمُ الأطوارُ

فابـصِرْ بهم في سُرّةِ القوابِلْ

تَرى مَنِ النّاموسُ بالفواعلْ

ودَقِّقِ التّركيزَ في المظاهِرْ

تَدرِي مَنِ المديرُ للسّرائِـرْ

۞۞۞

لاجُحْدَ يَعتريكَ في مدَدِهِ

فتلك كنْ كخاتمٍ بيدِهِ

تَجلّتِ الذّاتُ العلى عليه

فاجتمعَ الإمدادُ كلّا فيهِ

فكلُّ ما تحتاجُهُ البرايا

يحويهِ بحرُهُ بِلا نهايا

كما يَكِنُّ النُّورُ بالأسرارِ

وتَكمُنُ الآثارُ في الأنوارِ

كذلكم تَجَمُّعُ الصّفاتِ

بلا نفادٍ ضمنَ مَجلى الذّاتِ

فبطنُهُ خزانةُ الإحسان

كفايةٌ لدُوَلِ الإمكانِ

وعلى قدرِ مِهنةِ الرّسالَهْ

يكونُ نسْجُ خلعةِ النَّبالَهْ

لا غرو من مُمَدِّدِ الأسماءِ

فهو كلُّ الكلِّ للأجزاء

أبو الدّهورِ كافلِ الرّعيّه

ما انفك قائمًا على البريّه

يَعُولُ حتّى البَهْمَ والجلامِدْ

ويكفلُ العُصاةَ والملاحِدْ

سيّانَ فيهِ مَن علا ومَن نَزَلْ

وحتّى مَن في مهمهِ الغيبِ اعْتَزَلْ

بالدّنيا والأخرى لنا وَسِيطُ

رحمتُهُ بالعالمين حَيطُ

يَسقِينا بالرّضوانِ والسّعادَهْ

في عادة العبادِ والعبادَهْ

قطبُ الوُجودِ برزخُ الدّورَينِ

بَلى فذاكم مَرْكَزُ القوسينِ
۞۞۞

والأعجبُ العجابُ في المجاري

فكيفَ يَـسْري الجودُ للذّراري

رقائِقٌ دقائقٌ خوارِقْ

حقائقٌ نوافقٌ سوابقْ

تغورُ في غوافِرِ السّرائـرْ

عن سارقاتِ مشهدِ البصائرْ

فيوضُهُ تاتِينا بالتّقطيرِ

وقطرةٌ علينا بالكثيرِ

هذاكم مِن فيضانِهِ الجسماني

مابالُنا بموجِهِ الرَّوحاني

أمّا إذا ما ماجَتِ الأنيّه

فالسّحقُ للقوابلِ الدّنيّه

فالحمدُ للأنا على التّجلّي

والشّكرُ للهوّ على التّخلّي








سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون
وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين .
والصلاة والسّلام على الواسطة الأعظم وعلى آله وصحبه وسلّم


[1] تفسير الطبري 1/411، والقرطبي 2/26، والبغوي 1/93، والأولوسي 1/320، ودلائل النبوة للبيهقي 6/356 .

[2] الشيخ عبد الوهاب الشعراني لطائف المنن– ج 1 ص 108 109

[3] – د .مارتن لنجز – الشيخ أحمد العلوي الصوفي المستغانمي الجزائري – ص 150 .

[4] – د . عبد المنعم الحفني – معجم مصطلحات الصوفية – ص 27 .

[5] الشفا (2/35) وأورده الزرقاني في شرح المواهب والسمهودي في خلاصة الوفا في باب الزيارة، وابن حجر الهيتمي في الدر المنظم وقال: جاءت هذه الرواية لنا بالسند الصحيح ليس في إسنادها وضاع.

(1) استحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية ص (405).