بحث اعجبني …

كرامات الأولياء ( 2 )

تقدم الكلام عن مفهوم الولاية والأولياء بين أهـل السنة والمتصوفة ، ومفهوم الخوارق والكرامات وما تتميز به عن الأحوال الشيطانية ، ثم الإلهام والفراسة والرؤى .

وتمام الحديث : شرح موقف أهل السنة والجماعة من الكرامات مُدعَّماً ببعض الأدلة والأمثلة والضوابط والفوائد ، وتبع ذلك ذكر موقف المتوسعين فيها المتفلتين من الضوابط الشرعية .

عقيدة أهل السنة في الكرامات : من عاد إلى كتب أهل السنة وجد موقفهم من الكرامة وسطاً بين إنكار الجافين ، وتوسع الغالين .

قال الطحاوي عن الأولياء : (ونؤمن بما جاء من كراماتهم وصح عن الثقات من رواياتهم) [1] .

( ومن أصول أهـل السنة والجماعة : التصديق بكرامات الأولياء وما يُجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم والمكاشفات ، وأنواع القدرة والتأثيرات ، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف وغيرها ، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين وسائر قرون الأمة ، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة) [2] .

و (لقد تواترت نصوص الكتاب والسنة والوقائع قديماً وحديثاً على وقوع كرامات الله لأوليائه المتبعين لأنبيائه) [3] والأدلة كثيرة .

منها : ما ذكره الله من مجيء الرزق لمريم ؛ لا من بشر ، وكذا إنبات الرطب وإجراء النهر لها ؛ ولم يكن شيء منها قبل ذلك ، ومنها : ازورار الشمس عن أهل الكهف ، فلا تصيبهم مع أنهم في مكان منفتح انفتاحاً واسعاً ، ومنها : ما وقع لسارة رضي الله عنها من حملها بإسحاق في سن اليأس ، ومنها : إحضار الذي عنده علم من الكتاب عرش بلقيس إلى سليمان عليه السلام [4] وكذا : كفّ يد الظالم عن سارة ، ومنها : نجاة أصحاب الغار من الصخرة التي انطبقت عليهم ، ومنها : تكلُّم الغلام في المهد ، ومنها : عجز الملك عن قتل الغلام حتى قال : بسم الله رب الغلام [5] .

ومن الكرامات الواقعة للصحابة رضي الله عنهم : أن عبد الله بن حرام والد جابر رضي الله عنهما توقّع مقتله في أول من يقتل يوم أحد ، فحصل ذلك ودفن مع عمرو بن الجموح رضي الله عنهما فأخرجه جابر بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم دُفن غير أذنه ، ثم دفنه في قبر وحده [6] .

وعن أنس أن رجلين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم خرجا من عند النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما ، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله [7] .

ضوابط قبول الكرامة : أ – ضابط عام في الكرامات : ليس من منهج الإسلام التعويل على الكرامات ، وجعلها شرطاً للإيمان ؛ فقد عاب الله على المشركين لما طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم آيات خارقة ، فقال – تعالى – : [ وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ] [الإسراء : 90] ، إلى قوله تعالى : [قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا ] [الإسراء : 93] فقد كانت معجزاته صلى الله عليه وسلم معتمدة على الحجة والبرهان ، وأجلُّها القرآن الكريم أعظم معجزة أعطيت لنبي ، وهي أنفع المعجزات .

ولذا كانت حياته صلى الله عليه وسلم تجري موافقة للمألوف جرياً على العادة مع كونه أعظم الخلق وأشرفهم -صلى الله عليه وسلم- ؛ فكان يأخذ بالأسباب كما فعل يوم الهجرة [8] .

وهذه خاصية الدين والمنهج الذي يصلح للبقاء ، خلافاً لما يظنه كثير من الناس من أن الأولياء يجب أن يتصرفوا في هذا الكون ويُعْطَوا مفاتيحه ! [9] .

ب – ضوابط من تقع له الكرامات : أولاً : أن يكون من وقعت له من عباد الله المؤمنين .

( فمن لم يكن له مصدقاً فيما أخبر به ملتزماً طاعته فيما أوجب وأمر به في الأمور الباطنة التي في القلوب والأعمال الظاهرة التي على الأبدان لم يكن مؤمناً فضلاً عن أن يكون ولياً لله ، ولو حصل له من خوارق العادة ما عسى أن يحصل ؛ فإنه لا يكون مع تركه لفعل المأمور وترك المحظور – من أداء الواجبات من الصلاة وغيرها بطهارتها وواجباتها – إلا من أهل الأحوال الشيطانية المبعدة لصاحبها عن الله المقربة إلى سخطه وعذابه ) [10] .

ثانياً : أن لا يجزم في كل خارق يحصل له أنه كرامة ؛ بل الواجب عليه أن يعرض أقواله وأفعاله على الكتاب والسنة ، فإن كانت موافقة لها فهي حق وصدق وكرامة من الله – سبحانه – وإن كانت مخالفة لشيء من ذلك فليعلم أنه مخدوع ممكور به ، قد طمع منه الشيطان فلبَّس عليه [11] .

ثالثاً : أن لا يدعي صاحبها الولاية ؛ لتعذر الجزم بقبول العمل ، كما وصف الله – عز وجل – حال أوليائه المؤمنين المتقين ، فقال : [والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ] ]المؤمنون : 60] .

وقد سألت عائشة – رضي الله عنها – النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقالت : أَهُمُ الذين يشربون الخمر ويسرقون ؟ قال : (لا ، يا بنت الصديق ؛ ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ، وهم يخافون ألا يُقبَل منهم ، أولئك يسارعون في الخيرات ) [12] .

ثم إن في ادعاء الولاية تزكية للنفس وذلك منافٍ لحال الولاية .

رابعاً : أن لا تكون الكرامة غايته ، يطلبها ويسعى في حصولها ؛ فهو خلاف حال السلف .

ج – ضوابط الكرامة ذاتها : أولاً : أن لا تشتمل الكرامة على ترك شيء من الواجبات ، أو فعل شيء من المحرمات ، أو التزام شيء من العبادات لم يرد فيه نص شرعي ؛ وذلك لأن الولي إنما نال الكرامة بطاعته وإيمانه ؛ فلا يمكن بحال أن تكون تلك الكرامة سبباً لتركه شيئاً مما نالها به ، ثم إن المحرَّم خبيث ، والله لا يكرم عبده بخبيث ؛ كما أن من دلائل الولاية الوقوف عند النصوص الشرعية فلا يكون ولياً لله من أحدث في دين الله – تعالى – ما ليس منه .

قال ابن الجوزي – رحمه الله : (قد لبَّس إبليس على قوم من المتأخرين فوضعوا حكايات في كرامات الأولياء ليشيدوا – بزعمهم – أمر القوم ؛ والحق لا يحتاج لتشييد بباطل ) ثم ساق قصة تُروى عن سهل بن عبد الله فيها أن أحد الأولياء اشترط عليه أن يرمي ما معه من الزاد حتى يعطيه نور الولاية فتكون له خوارق العادات ، ففعل ، إلى أن قال سهل : فغشيني نور الولاية ! ثم علَّق ابن الجوزي بقوله : (ويدل على أنها حكاية موضوعة قولهم : (اطَّرِحْ ما معك) ؛ لأن الأولياء لا يخالفون الشرع ، والشرع نهى عن إضاعة المال) [13] كما أمر بفعل الأسباب .

ومثال ذلك أيضاً : من تحمله الجن فيحج مع الناس بلا إحرام ولا مرور بميقات .. خداعاً من الجن له .

ثانياً : ألا تشتتمل على ما عُلِم في الشريعة عدم وقوعه ، كدعوى لقيا النبي صلى الله عليه وسلم يقظة ، وكأن يرى شخصاً على صورة نبي أو ملك أو صالح يقول له : قد أبحت لك الحرام ، وأحللت لك الحلال ، أو أسقطت عنك التكاليف .

قال الشاطبي : (مخالفة الخوارق للشريعة دليل على بطلانها في نفسها ، وذلك أنها قد تكون في ظواهرها كالكرامات ، وليس كذلك ؛ بل من أعمال الشيطان .

كما يُحكى عن عبد القادر الجيلاني أنه عطش عطشاً شديداً ، فإذا سحابة قد أقبلت وأمطرت عليه شبه الرذاذ حتى شرب ، ثم نودي من سحابة : (يا فلان ! أنا ربك ، وقد أحللت لك المحرمات) فقال له : (اذهب يا لعين) .

فاضمحلت السحابة .

وقيل له : بِمَ عرفت أنه إبليس ؟ قال : بقوله : (قد أحللت لك المحرمات ) .

هذا وأشباهه لو لم يكن الشرع حَكَماً فيه لما عرف أنها شيطانية) [14] .

ثالثاً : ألا يستعين بالكرامة على معصية الله – عز وجل – فإن أكمل الكرامات ما كان معيناً على طاعة الله – عز وجل – أما الكرامة والكشف والتأثير إن ( لم يكن فيه فائدة كالاطّلاع على سيئات العباد ، وركوب السباع لغير حاجة ، والاجتماع بالجن لغير فائدة ، والمشي على الماء مع إمكان العبور على الجسر فهذا لا منفعة فيه لا في الدنيا ولا في الآخرة ، وهو بمنزلة العبث واللعب ) [15] .

رابعاً : ثبوتها : قال الطحاوي : (ونؤمن بما جاء من كراماتهم ، وصح عن الثقات من رواياتهم) [16] .

وقد يتعسر ذلك كثيراً بعد انقطاع عصر الرواية ، ولقلة من يعتمد عليه في نقل الأخبار في الأعصر المتأخرة .

فوائد الكرامة : الفائدة الأولى : دلالتها على قدرة الله وكمال مشيئته وعلى كمال علمه وكمال غناه .

الثانية : أن وقوع الكرامات للأولياء في الحقيقة معجزات للأنبياء ، والمعجزات فيها دعوة للإيمان ، والكرامات تدل على صحة الدين الذي جاء به الرسل [17] .

الثالثة : أن الكرامات من البشرى المعجلة في الدنيا المذكورة في آية الأولياء : [لهم البشرى في الحياة الدنيا ][يونس : 64] .

وهي (كل أمر يدل على ولايتهم وحسن عاقبتهم ، ومن ذلك الكرامات) [18] .

الرابعة : تقوية إيمان العبد وتثبيته ، قال الله – تعالى – : [إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا …

][الأنفال : 12] ولهذا قلَّت الكرامات في عهد الصحابة ، وكثرت بعدهم ؛ وذلك لقوة إيمانهم ، وضعف من بعدهم بالنسبة إليهم ، وذلك أن الصحابة شاهدوا التنزيل وعايشوا النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن بعدهم آمن بالغيب فاحتاج إلى شيء يزيد يقينه [19] .

الخامسة : إقامة الحجة على العدو ، كما حصل لخالد – رضي الله عنه – في شرب السم ، وكقصة أبي مسلم الخولاني [20] .

وفي هذا نصرة لدين الله ورفعة لكلمته إحقاقاً للحق وإبطالاً للباطل ، كما حصل لأصحاب الكهف .

السادسة : إكرام من الله – تعالى – لعباده لصلاحهم وقوة إيمانهم ، كما حصل لمريم من الرزق [21] .

السابعة : قضاء حاجة صاحب الكرامة أو حاجة غيره ، وإنقاذه أو إنقاذ غيره ، كما حصل لسعد – رضي الله عنه – في قصة مرورهم على الماء ، وكما حصل لسارية حيث نُجِّي الجيش عامة ، وليس هو وحده .

الثامنة : ابتلاء من وقعت له الكرامة أيشكر أم يكفر ؟ أيتواضع لله أم يغتر بعمله فيهلك ؟ التاسعة : في وقوع الكرامة لناس دون آخرين ابتلاء لمن لم تقع لهم : هل الكرامة غايتهم من الاستقامة ؟ وهل يثبتون بلا كرامة أم يتزعزع إيمانهم ؟ العمل بمقتضى الكرامات : من فوائد الكشف والإلهام والفراسة والرؤى – وهي من الكرامات – : تحصيل الخير وتوقي الشر قبل وقوعه .

وشرط ذلك : ألا يعارض العملُ – بناءً عليها – حكماً شرعياً ولا قاعدة دينية ، ومثاله : لو شهد شاهدان عدلان في أمر ، فرأى القاضي في منامه النبي صلى الله عليه وسلم يقول له : (لا تحكم بهذه الشهادة ؛ فإنها باطل) ، فإنه لا يجوز له العمل بمقتضى هذه الرؤيا ؛ لأنها تهدم قواعد الشريعة .

وكذا : لو حصلت له مكاشفة بأن الماء الذي يريد الوضوء به مغصوب أو نجس ، فإنه لا يتركه ويتيمم ؛ لأن فتح هذا الباب يبطل العمل بالظاهر ، ويلغي الشريعة .

وقد ذكر الشاطبي – رحمه الله – أوجهاً مما يسوغ العمل بالخوارق على وفقها ، منها : 1- أن يكون في أمر مباح ، كأن يرى رؤيا بأن فلاناً سيأتيه في وقت ما ، فيتأهب لاستقباله ، لكن لا يعامله إلا بما هو مشروع .

2- أن يكون العمل عليها لفائدة يرجو نجاحها ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أنه يراهم من وراء ظهره ؛ لفائدة إقامة الصفوف ، وأخرى هي تقوية إيمان من سمعه .

3 – أن يكون فيه تحذير أو تبشير ليستعد ويتأهب .

وقال : ( إنما ذكرت هذه الأوجه الثلاثة لتكون مثالاً يحتذى حذوه ، وينظر في هذا المجال إلى جهته) [22] .

أعظم الكرامة لزوم الاستقامة : ليس وقوع الخارق أمراً لازماً للولي ، فكم من الأولياء الصادقين – من الصحابة فمن بعدهم – قلم تقع لهم خوارق ! وكم من السحرة والمبطلين من وقعت لهم الخوارق ! ولا شك أن الخوارق ابتلاء للعبد من جنس النعم ، وليس حصولها برهاناً على فضل الرجل عند الله ، ولا عدمها دليلاً على هوانه .

قال الله – تعالى – : [ فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن .

وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن .

كلا ][الفجر : 15 – 17] .

لكن الكرامة الحقة – التي بها نجاة العبد – إنما هي استقامته على أمر الله – عز وجل – حتى يأتيه اليقين .

قيل لأبي محمد المرتعش : ( فلان يمشي على الماء ! قال : عندي أن من مكّنه الله من مخالفة هواه فهو أعظم ممن يمشي على الماء !) [23] .

ً للاستقامة لا طالباً للكرامة ؛ فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة ، وربك يطلب منك الاستقامة .

قال الشيخ السُهروردي في عوارفه : وهذا أصل كبير في الباب ؛ فإن كثيراً من المجتهدين المتعبدين سمعوا عن سلف الصالحين المتقدمين وما مُنحوا به من الكرامات وخوارق العادات ؛ فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك ، ويحبون أن يرزقوا شيئاً منه ، ولعل أحدهم يبقى متهماً لنفسه في صحة عمله ؛ حيث لم يحصل له خارق [24] ، ولو علموا بسر ذلك ، لهان عليهم الأمر ، فيُعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً .

والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وأمارة القدرة يقيناً ، فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا والخروج عن دواعي الهوى ، فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة ؛ فهي كل الكرامة ) [25] .

ولا شك أن من أعظم الكرامات : ما أكرم الله به سلف الأمة وعلماءها والمجددين والمصلحين فيها ؛ حيث بارك في أوقاتهم ، وأعمارهم ، وأعمالهم ؛ فكتب بعضهم ما يعجز غيره على نسخه في مدة عمره [26] ، وكان لعلومهم من الأثر ما نراه إلى يومنا هذا ، وكتب الله لها البقاء والنماء ، وكم كان للمصلحين من الأثر ، وكم يترتب على مواقفهم الحميدة من آثار تجنيها الأمة طيلة سنين أو قرون ! وتأمّل قوله – تعالى – في فضل من آتاهم العلم : [ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ][البقرة : 269] .

فأين هذا ممن تكون كرامته : الإكرام بمال ، أو طعام ، أو كشف في حادثة ، أو قدرة على أمر ؟ ! ومن أوجه تفضيل الاستقامة على الكرامة :

1 – أن الدين لا يُنال إلا من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ، واختصاصه به يفضله على بقية الخوارق .

2 – أن الدين لا يعمل به إلا المؤمنون ، أما الخوارق فإنها لهم ولغيرهم .

3 – أن العلم بالدين والعمل به ينفع صاحبه ولا يضره ، وقد يقع له من حصول الخارق مضرة من عُجْبٍ ونحوه .

4 – أنه يدفع مضرة الدنيا والآخرة من غير حاجة إلى كشف .

5 – أن الكشف والتأثير قد يكون فيه فائدة وقد لا يكون .

6 – أن الدين إذا صح أوجب خرق العادة إذا احتاج إليه صاحبه ؛ لقول الله – تعالى – : [ ومن يتق الله يجعل له مخرجا .

ويرزقه من حيث لا يحتسب …

] [الطلاق : 2 ، 3] .

7 – أن الدين هو إقامة حق العبودية ، وهو فعل ما وجب عليك ، وأما الخوارق فهي من حق الربوبية ؛ إذ لم يؤمر العبد بتحصيلها وفعلها [27] .

المخالفون لأهل السنة في الكرامات : وهم فئتان : متوسعون في إثبات الكرامة ، ومنكرون لوقوع ما سوى المعجزات .

ومن المتوسعين في الكرامات الصوفية .

الصوفية والكرامات : غلا الصوفية في أمر الخوارق ، فشرَّقوا فيها وغرَّبوا ، ولعل أهم ما يميزهم عن أهل السنة – في هذا الباب – أمور أهمها [33] : أولاً : اعتبار الخوارق معياراً للولاية ، وأن من لا كرامة له لا ولاية له .

قال الشعراني في ترجمة محمد الغمري عن قوله : ( وكان سيدي أحمد لا يأذن قط لفقير ]لمريد أو صوفيٍ [ أن يجلس على سجاده إلا إن ظهرت له كرامة ) [34] .

ثانياً : الشغف بالخوارق ، وتفسير كل خارق أو أمر غريب بأنه كرامة حتى صارت همهم ، قال ابن الجوزي : ( عن إبراهيم الخراساني أنه قال : احتجت يوما إلى الوضوء ، فإذا أنا بكوز من جوهر ، وسواك من فضة رأسه ألين من الخز ، فاستكت بالسواك ، وتوضأت بالماء ، وتركتهما وانصرفت) ثم علق عليها ابن الجوزي فقال : (في هذه الحكاية من لا يوثق بروايته ، فإن صحت دلت على قلة علم هذا الرجل ؛ إذ لو كان يفهم الفقه علم أن استعمال السواك الفضة لا يجوز ؛ ولكن قلَّ علمه فاستعمله ، وإن ظن أنه كرامة ، والله – تعالى – لا يكرم بما يمنع من استعماله شرعاً ) [35] .

ثالثاً : لما جعل الصوفية الكرامة أساس الولاية حرصوا على جمع الكرامات لمن ادعوا لهم الولاية ، وتعدى الأمر إلى الاختلاق والكذب ، ومما نسجوه ما ذكره الشعراني عن أبي بكر البطائحي أنه ( أول من ألبسه أبو بكر الصديق – رضي الله عنه – الخرقة ثوباً وطاقية في النوم ، فاستيقظ فوجدهما عليه ، وكان يقول : أخذت من ربي – عز وجل – عهداً أن لا تحرق النار جسداً دخل تربتي ، ويقال : إنها ما دخلها سمك ولا لحم قط فأنضجته النار أبداً ) [36] .

وكأن الكذب بدأ فيهم من قديم ، فتنبه له بعض كبارهم ؛ فقد قيل لرابعة العدوية : ( يا عمة ! لِمَ لا تأذنين للناس يدخلون عليك ؟ قالت : وما أرجو من الناس ؟ إن أتوني حكوا عني ما لم أفعل .

ثم قالت : يبلغني أنهم يقولون : إني أجد الدراهم تحت مصلاي ، ويطبخ لي القدر بغير نار ، ولو رأيت مثل هذا فزعت منه قيل لها : إن الناس يكثرون فيك القول ، يقولون : إن رابعة تصيب في منزلها الطعام والشراب ؛ فهل تجدين شيئاً فيه ؟ قالت : يا بنت أخي ! لو وجدت في منزلي شيئاً ما مسسته ، ولا وضعت يدي عليه) [37] .

رابعاً : كرامات الصوفية وخوارقهم كما أنها لا مكان لها عند العقلاء ، فإنها لا كرامة لها عند العلماء بشريعة الله – عز وجل – وكم في كراماتهم المحكية من معارضات ومخالفات للشريعة المحمدية ! ومن ذلك : أن أحدهم كان يتشوش من قول المؤذن : الله أكبر فيرجمه ، ويقول : عليك يا كلب ، نحن كفرنا يا مسلمون حتى تكبروا علينا ؟ ! [38] .

أما ما يذكرونه عن بعض من يذكرون بالخير من الشطحات والأحوال المُنْكَرَةِ ، فإن الواجب التثبت منه ؛ لعدم الثقة في نقلهم ، وما ثبت منه فإن منه ما يكون عوارض تعرض لهم بسبب بعض أعمالهم ؛ فإن من خلط في عمله اختلطت خوارقه ، ولهذا أمرنا أن نقول كل صلاة : [اهدنا الصراط المستقيم ][الفاتحة : 6] [39] .

وبعد ؛ فليس إنكار الكرامات سديداً ؛ لمعارضته من قبل الشرع والواقع ، ولا التوسع فيها جائزاً ؛ لمخالفته نهج الصواب .

إننا نثبت الكرامات لأولياء الله الصالحين ، ونقول : ليس كل من أتانا بخارق عددناه ولياً ، ما لم يكن ملتزماً بهدى السابقين الأولين -رضي الله عنهم- .

وفي الوقت نفسه : لا ننتقص أحداً من الصالحين ؛ لأنه لم تقع له كرامة ؛ فكم من ولي لم يحصل له خارق ! وإن أعظم كرامة لزوم الاستقامة .

نسألك اللهم حسن الختام .


fpe hu[fkd >>>


هذا الموضوع منقول من :: منتديات الأنوار القادرية والأرواح الرحمانية :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه


from منتديات الأنوار القادرية لفضيلة الشيخ الفقير القادري http://ift.tt/1H6t5hp

via IFTTT

أضف تعليقاً