حب المساكين فى عرف الصوفيه

حب المساكين فى عرف الصوفيه

السلام عليكم
احبتى فى الله مقال بسيط فى حب المساكين فى عرف الصوفيه

فحبّ المساكين هو محبّة كلّ من كان مجلى للرحمة الإلهية لأنّ الرحمة الإلهية أقرب ما تكون من المستضعفين في الأرض فأنت لو تلاحظ فالوصية منه صلى الله عليه وسلّم كانت لأبي ذرّ رضي الله عنه وأنت تعرف أحوال أبي ذرّ من حيث الإنفراد في زمنه بطريق الفقر فقد كان مشربه التجريد ظاهرا وباطنا لذا قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلّم لمّا رآه من بعيد قادما : ( فلتكن أبا ذرّ ) ثمّ قال ( يعيش أبو ذرّ وحيدا ويموت وحيدا ويبعث يوم القيامة وحيدا ) وفعلا فهذا ما حصل له في حياته فقد عاش وحيدا لمّا نفاه سيّدنا عثمان إلى الشام ومن ثمّ مات وحيدا كما أخبرت زوجته في قصّته المشهورة فقد تركته على حافّة الطريق تنتظر من يجيء من الناس ليقوم به حتى قالت للركب الذي قدم : ( هذا أبو ذرّ صاحب رسول الله ..)
فكانت وصيّته لأبي ذرّ بحسب حقيقة أبي ذرّ ومشربه من الحقائق لأنّه حاله رضي الله عنه شبيه بحال علي وحال أويس القرني رضي الله عنهما فهو قائم في التجريد قياما هائلا وهكذا حال من كان على قدم أبي ذرّ رضي الله عنه

أمّا من حيث محبّة المساكين فهذا المشرب هو مشرب أهل الصلاح وهو مشرب أهل الولاية الباطنة لأنّ الحقيقة تقول أنّ كلّ ما نقص في الظاهر زيد في الباطن فهؤلاء المساكين هم مجلى الرحمة بل عينها لأنّها حضرة مسكنة وتواضع وفقر فهي أقرب ما تكون من العبودية لأنّ العبودية هذا وصفها لذا فلو تلاحظ أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلّم في بداياته من حيث اليتم والفقر وأنّه لا يقرأ ولا يكتب ومن حيث الضعف وهوانه على الناس فقد خرج إلى الكون في وصف العبودية منذ أوّل الأمر فكان مظهره العبودية لأنّها مقابلة بكلّ وجه للربوبية فليس هناك قربا من الله تعالى أكثر من القرب منه في حالة الضعف والعجز والفقر والتواضع قال تعالى ( ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) فالوراثة لا توجد إلا عند المستضعفين
هذا لتعلم عظمة تلك المرتبة وموقعها من الدين فهي مجلى القربة والنصرة والرحمة فطالبنا الله ورسولها بمحبّتها لأنّه القربة من العبودية فمن لم يحبّ المساكين فليست له محبّة في الحقيقة لأوصاف العبودية بل يريد أن يظهر في الأكوان في حلية الربوبية من حيث العزّة والغنى والجاه والمرتبة لذا فمن إحتقر مسكينا أو شانه أو تكبّر عليه أو شعر إحساسه وخدش شعوره فيوشك أن يسلب ويطرد فلا يذوق معنى من معاني الدين والإيمان

لمّا سأل أحد الملوك أبا سفيان فيما أذكر عن أتباع النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال له : أيتبعه الأغنياء أو الفقراء – فقال بل يتبعه الفقراء وعبيدنا .. فقال له الملك : وكذلك أتباع الأنبياء … إلخ القصّة

فإنّ أوّل حجاب يقع فيما بين الخلق وخالقهم هو حجاب النفس الذي هو عبارة عن الدعاوى العريضة بالوهم لخصائص الربوبية فوجب الرجوع من ذلك إلى حقائق العبودية والأيات الدالة على ذلك والأحاديث أكثر من أن تحصى فهي معلومة
وفي قصّة الخضر لما قال في السفينة ( كانت لمساكين يعملون في البحر ) فكانت يد الله تعالى تخدمهم من غير شعور منهم وهكذا كلّ المساكين على وجه الأرض فإنّ باطن المسكين رقيق في أغلب وجوهه ولو أظهر لنا العزّة على ظاهره لا يجب خدشه ولا جرحه فإنّه مجلى الصلاح فأغلب الأولياء يكونون مساكين ومن تلك المدرسة يتخرّجون , فعلامة أهل الولاية كثرة محبّتهم للمساكين والفقراء والأيتام حتّى أنّك ترى أغلب الزوايا مليئة بالأرامل والأيتام والعميان والفقراء فتلك حاضنتهم

ثمّ إنّهم رضي الله عنهم تحمّلوا عنّا شدائد الإبتلاء الذي لا نحسن أن نمكث فيه ولو ليوم واحد فلولا المساكين لما رزقنا ولما رحمنا ( فبهم ترحمون وبهم وترزقون ) فهم في الحقيقة ولاّة أمورنا ساهرون في فقرهم وفي إحتياجاتهم على راحتنا ورغم هذا لا تجد في قلوبهم عليها من غلّ أو حسد أو غشّ تكاد تكون بواطنهم خالية ممّا علق بغيرهم من تلك الأمراض قال تعالى ( فأمّا اليتيم فلا تقهر وأمّا السائل فلا تنهر ) وقال تعالى ( ويطعمون الطعام على حبّه مسكينا ويتيما وأسيرا إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا )
وقال تعالى ( بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين ) وإنّما إستوجبت الزكاة لهم فجعل لهم ركنا خاصّا بهم في الإسلام دفاعا عنهم لأنّهم معنا بأرواحهم وقلوبهم

كان القوم في إستسقائهم وطلبهم للغيث والرزق يخرجون المساكين والأرامل والعميان والفقراء فيقدّمونهم في الصفوف حتى يستجيب الله لهم فهل يستجاب لنا إلا بضعفائنا وفقرائنا وأيتامنا وأراملنا وضعيفنا وعاجزنا وقد أوصى صلى الله عليه وسلّم عمر وعلي رضي الله عنهما بأن يسألا أويس القرني منه الدعاء حتى يغفر الله لهما مع أنّهما مبشران بالجنّة وهذا الخضر قام بشؤون المساكين أحسن قيام كأهل السفينة واليتيمين في المدينة والوالدين العاجزين فانظر تلك الرحمة تعرف قيمة المنزلة فإنّه لا يستعمل مع المساكين غير الرحمة واللطف والصدقة والخدمة وإنّي أعرف أحد إخواننا من الفقراء وجد مرّة مسكينا أشواه الفقر فرآه منتعلا حذاءا قديما مرقّعا فنزع حذاءه ومن ثمّ أعطاه لذلك المسكين ثمّ حلف له أن يقوم بتلبيسه له بنفسه فرأيت ذلك الفقير الصوفي منحنيا تحت قدميه يلبسه حذاءه وذلك الفقير يقول له وأنا أسمع : يا أخي لا تفعل هذا فقد أخجلتني

وقد ورد أنّ أحد الصالحين دقّ بابه يوما أحد المساكين من إخوانه ففتح الباب ثمّ مكث معه برهة من الزمن ثمّ إنصرف ذلك المسكين ودخل ذلك الصالح يبكي فسألته زوجته ما يبكيك : فقال لها لقد جاءني أخي وطلب منّي مساعدة فدفعت له دراهم فقالت له : إذا كان شقّ عليك ذلك هلاّ كنت إعتذرت له – فقال لها : ويحك ليس ذاك بل لقد رأيت ذلّ المسألة في وجه أخي فأنا أبكي لأنّني ما تفقدت حالة أخي فاضطرّ أن يجيئني

ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلّم أسوة حسنة فكان صلى الله عليه وسلّم يحبّ المساكين ويجلس معهم وكان شديد التواضع والحياء
فمخالطة المساكين هي من آثار محبّتهم وكذلك إيثارهم وتقريبهم والعطف والحنان عليهم فالفقير الصوفي هذا ديدنه وفي هذا الموضوع من الأخبار ما لا يخفى ثمّ إنّ المساكين درجات وأعلاهم ( مساكين الحضرة ) فينفق عليهم العارفون من غذاء الروح والقلب ….وهكذا
فالتقرّب من المساكين ومحبّتهم والعطف والحنان عليهم وعدم التكبّر عليهم وعدم الجفاء أو الخجل بسببهم كمن يكون أستاذا أو مديرا أو رئيسا فلو يقترب منه فقير أو مسكين تجده يترفّع فيكاد يختنق وكلّ هذا من الأمراض العويصة القلبية فأنّي لمثل هذا أن يفتح عليه بالرحمة والعلم والإيمان

لذا كان ساداتنا الصوفية فقراء يحبّون المساكين فيطعمونهم ويسقونهم ويسهرون على راحتهم ولهذا جعل طريق الله تعالى فهو طريق الرحمة في أجلى معانيها ويكفي هذا دلالة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد