"حقائق ينبغي أن تذيب المتنكرين للمولد خجلا "

“حقائق ينبغي أن تذيب المتنكرين للمولد خجلا
ً
اﻹمام شهيد المحراب الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي رحمه لله :
11/8/1995
الحمد لله ثم الحمد لله، الحمد حمداً يوافي نعمه ويكافئ مزيده، يا ربنا لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك ولعظيم سلطانك، سبحانك اللهم لا أحصي ثناءً عليك أنت كما أثنيت على نفسك، وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله وصفيه وخليله خير نبي أرسله، أرسله الله إلى العالم كله بشيراً ونذيراً. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد صلاةً وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين، وأوصيكم أيها المسلمون ونفسي المذنبة بتقوى الله تعالى.
أما بعدُ فيا عبادَ لله:
مما لا ريب فيه ومما اتفقت عليه الأمة أن المكان الذي تشرّف بولادة سيدنا رسول لله صلى الله عليه وسلم فيه، من خير أمكنة الدنيا وبقاعها، ومما لا ريب فيه ومما اتفقت عليه الأمة أيضاً أن المكان الذي دُفن فيه سيدنا رسول لله صلى الله عليه وسلم خير أمكنة الدنيا وخير بقاعها على الإطلاق. ولقد كان الناس ولا يزالون يتيمنون الدار التي ولد فيها سيدنا رسول لله صلى الله عليه وسلم يدخلون إليها وقد أدركوا أنها من خير بقاع الأرض؛ يتيمنون فيها البركة والخير. وإذا كان هذا من المعلوم ومن المتفق عليه عند العلماء جميعاً، فلا شك أنّ الزمان صنو المكان لا فرق بين الظرفين المكاني والزماني، إذا كان المكان الذي ولِدَ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير بقاع الدنيا، فلا شك أن الزمان الذي ولِد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك البقعة من خير أزمنة الدهر أجمع – إن لم يكن خيرها جميعاً. ولا أعتقد أنّ في هذا الكلام المنطقي ما يثير شبهة أو ما يتسع لأي نقاش وجدل.
إذا كان المكان الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خير بقاع الدنيا، فلماذا لا يكون الزمان الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك البقعة من خير أزمنة الدنيا أيضاً؟!
ومن هنا حق للمسلمين أن يحتفلوا بمقدم هذا الزمان الذي يُذكرهم بولادة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يحق لهم أن يحتفوا ويحتفلوا بالمكان الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يحق لهم أن يحترموا ويُقدسوا المكان الذي دُفن فيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ لا فرق بين ظرف زمني وظرف مكاني أبداً. وقد علمنا أن الله عز وجل فاضل بين الأزمنة لأمثال هذه العوارض كما فاضل بين الأمكنة، وليس هنالك أي فرقٍ بين زمان ومكان قط.
ومع ذلك أيها الأخوة .. فما من عام تشرق فيه شمس هذا الشهر على المسلمين، ويمر فيه يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول إلا ويثور الجدل اللانهاية له، وخصام لا معنى له حول مشروعية الإحتفاء والإحتفال بالزمن الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم. تثور المجادلات في هذا الشهر وتسير في طريقٍ مسدود، وتنبعث من قلوب حاقدة لا من عقول مستشكلة، وإنها مصيبة من أكبر المصائب التي حاقت بهذه الأمة، وكان من الممكن أن ينتهي الجدل والخصام إذا لم يجد المسلمون سبيلاً للإتفاق في هذا الأمر الخطير الخطير جداً، كان هنالك سبيلٌ لإنهاء هذا الجدل ألا وهو السبيل الذي نبه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أعلن في الحديث الصحيح المتفق عليه: أن الإنسان إذا اجتهد في أمرٍ اجتهاديٍ فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجرٌ واحد، وعندئذٍ يُعذر هذا صاحبه ويعذر ذاك صاحبه وينتهي الجدل وينتهي اللجج والخصام في هذا الأمر. ولكن حتى لو أن أحد الطرفين سكت وأنهى الأمر فإن الطرف الثاني لا يريد أن يُنهي هذا الجدل أبداً، ويأبي إلا أن يثيره لججاً لا نهاية له، ويأبى إلا ان يُثير من ذلك فتنة دهماء، لا بد أن يُقنع هذه الأمة كلها بقضها وقضيضها أن اليوم الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست له أي مزية عن الأيام الأخرى، ومن ثم فإن الاحتفال بذكرى ولادة رسول الله تقديراً لهذا اليوم وتقديراً لصاحب هذه الذكرى أمر لا يجوز، وأمرٌ مبتدع، والإنسان يخرج به عن صراط الله سبحانه وتعالى ويتنكب عن المحجة البيضاء، لا بد أن تُقنع هذه الشرذمة هذه الأمة الإسلامية كلها بما يراه عقلها الفاسد، ورسول الله يقول: (إذا اجتهد الحاكم أو المجتهد فأصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر واحد) .
إن كنت يا هذا مجتهداً ومصيباً في اجتهادك فاهنأ بأجرين كتبه الله لك، ولك أو عليك أن تهنئنا بأجر قد كتبه الله لنا، واترك ساحة هذا البحث وابحث عن مسألة أخرى تهم المسلمين وتجمع شملهم، وإن كنا نحن المصيبين وأنت المخطئ فإن علينا أن نهنئك بأنك قد حزت على أجرٍ واحد أو على نصف الأجر الذي يناله المصيب، وما عليك إلا أن تبحث عن موضوع آخر وأن نبحث نحن أيضاً عن موضوع آخر. هذا السبيل ينهي الحجج وينهي الجدل لو أن الأطراف أو الطرف الأدهى والذي يأبى إلا أن يسوق الناس كلهم وراء اجتهاده، لو أنهم التجؤا إلى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. قصارى ما في الأمر أنه أمرٌ اجتهادي، والمصيب له أجران والمخطئ له أجر، هذا ليس من الأمور المعروفة من الدين بالضرورة حتى يتنكر المخطئ عن المحجة البيضاء ويبتعد عن صراط الله تعالى، ومع ذلك فإن أبى هذا الطرف إلا أن يثيرها فتنة، وإن أبى إلا أن يُصدع الصف الإسلامي – إن كان هنالك صف إسلامي باقٍ، إن أبى إلا أن يُصدع الصف الإسلامي بهذه المسألة، فإننا نلتفت إلى منطق العلم لنقول له: إن احتفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأزمنة التي شهدت أعمالاً قدسية ورحماتٍ ربّانيّة ومواقف لأنبياء ورسل ..
إن احتفاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا شيءٌ لا ينكر، ويعرفه كل من كانت له ثقافةً راشدة في دين الله عز وجل، وإلا فمن هو هذا الإنسان المثقف اليقظ الذي يغيب عنه حديث مسلم في صحيحه من رواية ابن عباس ومن رواية أبو موسى الأشعري ومن رواية عائشة رضي الله عنهم جميعاً، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمّا قدِمَ المدينة رأى اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عن ذلك. قالوا: هذا يومٌ صالح أنجى الله سبحانه وتعالى فيه موسى وبني إسرائيل من فرعون، فنحن نصومه احتفاءً بذلك اليوم أو بهذه الذكرى، قال عليه الصلاة والسلام: (نحن أحق بموسى منكم) وأمر رجلاً من قبيلة أسلم أن ينادي في الناس – وكان اليوم يوم عاشوراء – من كان قد أكل يومه هذا فليمسك بقية اليوم ومن أصبح صائماً فليتم صومه. أليس هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إحتفالاً بذكرى زمنية تعود إلى الزمن الذي أنجى الله عز وجل فيه موسى ومن معه من بني إسرائيل.
كيف جاز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتفل بذكرى نجاة أخيه سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام؟ وأن يأمر أصحابه بذلك عن طريق صوم ذلك اليوم ولا يحق لنا أن نفعل ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم احتفاءً بالذكرى الزمنية لمولد من؟ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
بل من ذا الذي يجهل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الاثنين، ولمّا سُئل عن ذلك قال كما ورد في الحديث الصحيح: “ذاك يومٌ وُلدت فيه” فهو صلى الله عليه وسلم يحتفي بذكرى ولادته ويصوم لا في يوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول لكل عام، لا، بل يصوم يوم الاثنين من كل أسبوع؛ لأنه اليوم الزمني الذي شهد ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
هذه الأدلة أيها الأخوة لا مجال للجدل فيها، ولا مجال في المراء في أمرها، ومع ذلك فنحن لا نريد أن نطيل الجدل مع من يأبى إلا أن يسوق الناس وراءه، ولكنّا نقول لهم: هنيئاً لكم اجتهادكم، ولكن دعوا لنا اجتهادنا، والأمران اجتهاديان. أنتم مثابون ونحن مثابون، ونحن لا نستعجل فنقول: أننا نحن المصيبون وأنتم المخطئون. لا، أي كان منا المصيب وأي كان منا المخطئ فالكل مثاب، ومعنى أن الكل مثاب أن رحمة الله عز وجل تطوف بالطرفين، تطوف بالكل، وأن الله سبحانه وتعالى يبارك عمل هؤلاء وهؤلاء. فما لكم يا أيها الناس تضيقون واسعاً؟ ومالكم تحجرون رحمةً كبيرة ًمن رحمات الله؟
ثم مالكم تضيقون السبل على من يريد أن يعبّر عن حبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم باحتفاءه واحتفاله بذكرى ولادته الزمنية، كما اجمعت الأمة كلها على تقديس المكان الذي دُفن فيه رسول الله، والذي ولد فيه رسول الله، بل يخيل إليَّ أنه لو كان هنالك تفاضلٌ بين المكان الذي ولد فيه رسول الله، وأشرق وجوده من تلك البقعة على العالم كله، وبين المكان الذي دُفن فيه رسول الله لكان المنطق يقتضي أن يكون المكان الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلَّ رتبةً وأقدس مكانةً عند الله سبحانه وتعالى.
فهل لهؤلاء الأخوة الذين شاؤوا أن يتجهوا إلى اجتهاد رأوه، أن يتركونا وشأننا؟ هل لهم أن يتعاونوا معنا في رعاية بقايا وحدة هذه الأمة بقايا هذه الأطلال من وحدة الصف الإسلامي؟ أما آن أن يذوقوا الغيرة على وحدة هذه الأمة بدلاً من أن يذوقوا أنانيتهم في الانتصار لآرائهم؟
سواءٌ كانت هذه الآراء مصيبةً أو كانت مخطئة؟ أما آن للواحد منهم أن يعود لنفسه فيستحي ويخجل عندما يذكر أن أصحابه وجماعته والقائمين بأمر هذا المذهب والترويج له في العالم قد احتفلوا قبل سنوات مضت بذكرى ولادة محمد بن عبد الوهاب، وأنفقوا على ذلك الأموال الطائلة، ودعوا إلى ذلك العلماء من الأقطار وكنت واحداً ممن دُعي، أفيكون هذا العمل لصالح محمد بن عبد الوهاب رحمه الله عملاً مبروراً ثم يكون هذا العمل ذاته لصالح محمد بن عبد الله سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عملاً سيئاً متنكباً عن صراط الله. كيف هذا أيها الأخوة؟! أي عاقلٍ ممكن أن يصدق هذا الأمر؟ تنفق الأموال الطائلة، الأموال الطائلة التي تبلغ الملايين على تجميع الناس تحت مظلة مؤتمرٍ لذكرى ولادة صالحٍ من الصالحين أياً كان وهو محمد بن عبد الوهاب الذي ينسب إليه المذهب الوهابي اليوم، تُنفق الأموال الطائلة على الاحتفاء بذكراه هناك، ولا يجوز لنا أن نحتفي بذكرى مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عن طريق صرف الملايين، لا. عن طريق الاجتماع على سماع قصة ولادته عن سماع أطرافٍ من سيرته، أن نجتمع في مجلسٍ كهذا المجلس لنتواصى بالتمسك بسنته لنتواصى بتجديد البيعة معه، لا يحق لنا هذا؟ ويحق لأولئك أن يصرفوا الملايين الطائلة على مثل هذا العمل.
ومع ذلك فلنفرض أننا نحن المخطئون، وأولئك المصيبون نحن مخطئون في اجتهاد وهنأنا رسول الله بأن لنا أجر، وهم مصيبون في الاجتهاد ونحن ورسول الله نهنئهم بأن لهم ضعف الأجر الذي أخذناه. إذاً الكل مأجورون، والكل يتحركون في ساحة الرحمة الإلهية. لماذا؟ وليتني أسمع جواباً عن هذا السؤال المكرر لماذا ثم لماذا ثم لماذا تسعى هذه الفئة لتقويض البقية الباقية من وحدة الأمة؟
لماذا تستثير الوسائل المختلفة من أجل إيجادِ مزيدٍ من عوامل التدابر والشقاق وإدخال مشاعر البغضاء والأحقاد في النفوس ونحن بحاجةٍ ماسةٍ إلى مزيدٍ من الحب، نحن بحاجة ماسة إلى مزيدٍ من التآلف إلى مزيدٍ من التضامن حتى نتلاقى تحت مظلة هذا الحب، لعمل ينبغي أن نخططه ونقف به في وجه هذه العداوات التي تحاك ضدنا من مشرق الدنيا إلى مغربها.
أعتقد أن هذا الكلام الذي أقوله لا يخفى على عاقلٍ أيها الأخوة وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيدنا إلى حظيرة دينه القويم فاستغفروه يغفر لكم. “اه.


“prhzr dkfyd Hk j`df hgljk;vdk ggl,g] o[gh “


Source: alanwar