سادتنا أهل البيت وأحبابهم

علومهم عن إلهام ووراثة قبل أن تكون بحثاً ودراسة
الإلهام: نوع من الوحي يلقيه الله على قلب من يشاء من عباده وأحبابه، وهو غير وحي النبوة والرسالة التي ختمت بسيد الخلق ـ صلى الله عليه وعلى آله وصحبة وسلم ـ والقرآن الكريم حدثنا عن هذا الوحي الإلهامي كالذي حدث لأم سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ وللسيدة مريم ـ عليها مع وليدها سيدنا عيسى السلام ـ وللعبد الصالح مع سيدنا موسى عليهما السلام.
يقول الله ـ عز وجل: {وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين} [7- القصص].
إنه علمٌ عُلْويٌ، ومددٌ ربانيٌ، يلقيه الله في قلوب أحبابه؛ فيجعل هؤلاء الصالحين ينطقون بالحكمة، ويدعون إلى الله على بصيرة. وسادتنا الأولياء خرقوا عوائد أنفسهم؛ فانخرقت لهم عوائد الكون، وأقاموا في مقام التقوى؛ فعلَّمهم الله ما لم يكونوا يعلمون، فهم من أهل قوله تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} [282 – البقرة] وكما قيل: تم لهم التخلي، والتحلي، والتجلي. إنهم تخلوا عن الصفات المذمومة، وتحلوا بالصفات الممدوحة؛ فجاءهم التجلي بالعلم النوراني. إن الله قد أخبرنا عن عبد من عبادة (سيدنا الخضر؛ عليه السلام) فقال ـ عز وجل: {فوجدا عبداً من عبادنا أتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما} [65 – الكهف] نعم إن سيدنا موسى ـ عليه السلام ـ قطع المسافات؛ ليقف على حال هذا العبد، ويتعلم منه، وقد التمس منه سيدنا موسى ذلك كما جاء في القصة التي وردت في سورة الكهف: {هل اتبعك على أن تعلمني مما عُلِّمتَ رشداً} [66- الكهف] وجاءت كلمة (عُلِّمتَ) فعلاً ماضياً مبنياً للمفعول؛ لتدل على أن العلم الذي عند هذا العبد الصالح قد تلقاه بإلهام من الله تبارك وتعالى حيث علمه الله علماً يعرف به ما وراء الأفعال من حكمةِ، وما بطن فيها من رحمة، وهو المسمى بعلم (الحقيقة أو الباطن) عند هؤلاء السادة. وليس غريبا أن تأتي العلوم الربانية لعباد الله الربانيين، وسبحان من يؤتي الحكمة من يشاء، ويختص برحمته من يشاء!. إن سادتنا الأولياء لم يصلوا إلى هذا المقام إلا برحمة الله وفضله، ثم بعملهم الصادر عن حب وإخلاص، وأدبهم الحسن مع ربهم، ودوام المدارسة، وإعمال الفكر، وإمعان النظر، وتحصيل أساسيات العلوم الشرعية الظاهرة، فبعد المكاسب؛ أتتهم المواهب وبعد الدراسة؛ أتتهم الوراثة، وكما قيل:
رأيت العلم علمين = فموهوب ومكسوب
فلا ينفع موهو = إذا لم يك مكسوب
كما لا تنفع الشمس = وضوء العين محجوب
وللإمام أبي حامد الغزالي ـ رضي الله عنه ـ مقال يزيد الأمر وضوحاً في هذا المجال حيث يقول في كتابه (إحياء علوم الدين) تحت عنوان (الفرق بين الإلهام والتعليم): “اعلم أن العلوم التي ليست ضرورية وإنما تحصل في القلب في بعض الأحوال تختلف الحال في حصولها. فتارة تهجم على القلب كأنه ألقى فيه من حيث لا يدري وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلم، والذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل يسمى إلهاماً والذي يحصل بالاستدلال يسمى اعتبارا واستبصاراً ثم الواقع في القلب بغير حيلة وتعلم واجتهاد من العبد ينقسم إلى ما لا يدري العبد أنه كيف حصل له ومن أين حصل. وإلى ما يطلع معه على السبب الذي منه استفاد ذلك العلم وهو مشاهدة الملك الملقِي في القلب والأول يسمى إلهاماً ونفثا في الروع. والثاني يسمى وحياً وتختص به الأنبياء والأول يختص به الأولياء والأصفياء”.
ويقول صاحب الرسالة القشيرية عن الإلهام: “والخواطر خطاب يرد على الضمائر فقد يكون بإلقاء ملك وقد يكون بإلقاء الشيطان ويكون أحاديث النفس ويكون من قبل الحق سبحانه . فإذا كان من الملك فهو الإلهام”.
وجاء في كتاب: (لطائف المنن) للإمام الملهم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري حكاية لطيفة وجميلة تدل على هذه الأحوال الإلهامية الفورية حيث يقول: “وأخبرني الشيخ العارف. مكين الدين رضي الله عنه قال: حضرت بالمنصورة خيمة فيها الشيخ الإمام مفتى الأنام عز الدين بن عبد السلام والشيخ مجد الدين بن تقي الدين على بن وهب القشيري المدرس والشيخ محيي الدين بن سراقة الأخميمي والشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنهم. ورسالة القشيري تقرأ عليهم وهم يتكلمون والشيخ أبو الحسن صامت إلى أن فرغ كلامهم فقالوا: يا سيدي نريد أن نسمع منك فقال: أنتم سادات الوقت وكبراؤه وقد تكلمتم فقالوا: لا بد أن نسمع منك قال: فسكت الشيخ ساعة ثم تكلم بالأسرار العجيبة والعلوم الجليلة فقام الشيخ عز الدين من صدر الخيمة وفارق موضعه وقال: “اسمعوا هذا الكلام الغريب القريب العهد من الله”. وفي تعليقه على تلك الحكاية يقول الأمام الأكبر الأسبق د.عبد الحليم محمود: أي أنه ليس علم كتب ولا دراسة وإنما هو إلهامات وتجليات من الحق سبحانه في جانب المعرفة والله سبحانه وتعالي يقول عن عبد من عباده: {وعلمناه من لدنا علماً} إذن هو علم وراثة لا علم دراسة، وعلم صدور لاعلم سطور. إنه علم القلوب النقية والأحاسيس العلية. إن إلهامات هؤلاء السادة واردات وإمدادات ربانية لا يداخلها عجب، ولا يفسدها رياء، ولا يأتي عنها زيغ، ولا تعقبها فتنة. يقول أحد الملهمين (سيدي على عقل):
ونحن أولو علمِ ولكن بوجدنا = شربنا من الأنوار ما ليس بالشرب
فكنا بفضل الله خيرَ أئمةٍ = لنا نوره يهدي من الزيغ والعجب
والقرآن الكريم حين حدثنا عن الإلهام قال: {ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها} (7-10- الشمس) ومن هذه الآيات نعلم أن الله قد جعل الإنسان صالحاً للمقامين أو الحالين: حال الفجور، وحال التقوى فإذا ما تخلى عن جانب الفجور، وتحلى بجانب التقوى؛ فقد زكى نفسه {قد أفلح من زكاها} وجعلها صالحةً لتلقى الواردات الإلهية والإلهامات الربانية، ويدخل تحت نطاق قوله تعالي: {واتقوا الله ويعلمكم الله} ( 28 – البقرة).
إن علوم هؤلاء السادة لا يدركها إلا أهلها، إنها علوم بصيرة تهذب سلوك الطالبين وترشد عقول المريدين وتهدي قلوب الحائرين، إنها علوم التصوف المبنية على الشوق والذوق، وعلى اليقين والفتح المبين ولذلك قالوا:
علم التصوف علمٌ ليس يدركه = إلا أخو فطنةٍ بالحق موصوف
وكيف يعرفه من ليس يشهده = وكيف يشهد ضوءَ الشمس مكفوف
ومن فضل الله تعالى عليَّ أنه سبحانه وتعالى وهبني إلهاماً وبصيرة في العلم، وحجة في الرأي، ورجاحة في الاستبصار؛ إلا أني عندما أجلس إلى هؤلاء السادة مستمعاً، أو أقرأ لهم؛ أشعر بالعجز والجهل رغم أني أزهريٌ مستفيدٌ من دراستي يشهد الناس لي وخاصة أهل العلم بما يهبه الله لي من نفحاتٍ من الفيض الإلهي، وليس عجيباً أن كثيراً من الذين أشهد بعجزي وجهلي أمامهم لم يحصلوا على شهاداتٍ علميةٍ تخصصيةٍ عاليةٍ مثلي، إلا أنهم ساداتي وأساتذتي، وما ذاك بعجيب؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ويختص برحمته من يشاء، ويؤتي الحكمة من يشاء. إنك حين تجلس إليهم تسمع خلاصة العلم وزبدته، وصواب الرأي وحجيته. إنهم يأتون بشعر الإلهام موزوناً ومقفى فيه من رقة الأسلوب، وعذوبة البيان، ونور الحكمة؛ ما يجعلك تسلم لهم الزمام وتعيش تلميذاً بين أيديهم. يقول ابن الفارض:
ولا تك ممن طيشته طروسه بحيث استقلت عقله واستقرت
فثم وراء النقل علمٌ يدِق عن مدارك غايات العقول السليمة
إنهم لم يدرسوا علم العروض، وموازين الشعر، ولكن أشعارهم عجيبةٌ وحكمهم خصيبةٌ. إن أرواحهم قد سبقت إلى الملأ الأعلى، وطارت في ملكوت فيض علم الله، تحدوهم العناية وتشملهم الرعاية، إنهم في الرياض العليا؛ يجنون أحلى الثمار، ويشمون أطيب العبير؛ فيفيضون علينا من الذي جنوه وذاقوه وشموه، ومن هذا، وبهذا أدرك ذلك الجمال أحبابهم؛ فتتلمذوا على أيديهم، وانتسبوا لجنابهم، وتواضعت علومهم أمام هذا الجمال الأخاذ بالألباب والخواطر، الواصل إلى الباطن قبل الظاهر؛ فانتفعوا بحبهم، وعاشوا في ظلهم وأقول مع أحدهم:
لي سادةٌ من عزهم = أقدامهم فوق الجباه
أن لم أكن منهم فلي = في حبهم عز وجاه

أحب النبى واله

صلوات الله وسلامه عليهم


sh]jkh Hig hgfdj ,Hpfhfil


هذا الموضوع منقول من :: منتديات الأنوار القادرية والأرواح الرحمانية :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه



Source: alanwar