شعراء الساقين وصرح سليمان


قال الله تبارك وتعالى:{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [النّمل:44]
في بيان السّبب الّذي دعا سليمان عليه السلام إلى اتّخاذ هذا الصّرح ؟ فمن جملة ما ذكروه: أنّه لما عزم على تزوّجها واصطفائها لنفسه, ذُكِر له جمالُها وحسنُها، ولكن كان في ساقيها هلب عظيم [أي: شعر]، ومؤخّر أقدامها كمؤخر الدابة. فساءه ذلك، فأمر ببناء هذا الصّرح ليثبّت من صحّة ما ذُكر. هذا قول محمّد بن كعب القرظي وغيره.
وقالوا: فلمّا دخلت، وكشفت عن ساقيها، رآها من أحسن الناس ساقاً، وأحسنهم قدماً، ولكن رأى على رجليها شعراً … الخ
ونسبوا ذلك إلى ابن عبّاس رضي الله عنهما ومجاهد وغيرهما. ومن قواعد التّفسير الّتي يسلّم بها جميع المفسّرين: أنّ القرآن لا يفسّر إلاّ بالقرآن، أو السنّة، أو أقوال الصّحابة الصّحيحة. لذلك، فإنّه متى لم يثبت شيء في السنّة ولا عن الصّحابة في باب التّفسير، فإنّه يجب الوقوف عند ظاهر القرآن…..

“. والآية المذكورة، لا نجدُ أيّ إشكال أو لبسٍ في فهم معناها: – فنبيّ الله سليمان عليه السّلام يعلم ما هو مقرّر من أنّ الملوك لا يجهرون بإيمانهم، ولا ينقادون إلى غيرهم إلاّ تحت سلطان العظمة والملك.
ونظير هذه القصّة: ما فعله رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع أبي سفيان بن حرب يوم فتح مكّة ليُسلِم، فقد نادى صلّى الله عليه وسلّم عمّه العبّاسرضي الله عنه، وقال: (( يَا عَبَّاسُ، اِحْبِسْهُ بمَضِيق الوادي عند خَطْم الجبلِ، حَتَّى تَمُرَّ بِهِ جُنُودُ اللهِ فَيَرَاهَا )). قال العبّاس: فخرجت حتّى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أحبسه. ومرّت القبائل على راياتها، كلّما مرّت قبيلة قال: يا عبّاس، من هذه ؟ فأقول: سُليم. فيقول: ما لي ولسُليم !؟ثمّ تمرّ القبيلة، فيقول: يا عبّاس، من هؤلاء ؟ فأقول: مُزينة. فيقول: ما لي ولمزينة !؟حتّى نفِدت القبائل، ما تمرّ به قبيلة إلاّ يسألني عنها، فإذا أخبرته بهم قال: ما لي ولبني فلان !؟حَتَّى مرّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كتيبته الخضراء (1) ، فيها المهاجرون والأنصار، لا يُرَى منهم إلاَ الحدق – أي: الأعين – من الحديد، فقال:سبحان الله ! يا عبّاس، من هؤلاء ؟قال: قلت: هذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المهاجرين والأ نصار.قال: ما لأحد بهؤلاء قِبَلٌ ولاطاقةٌ والله يا أبا الفضل ! لقد أصبح مُلك ابن أخيك الغداة عظيما !قال قلت: يا أبا سفيان، إنّها النبوّة. قال: فنعم إذن “.

كذلك الأمر في قصّة سليمان عليه السّلام مع بلقيس، فإنّه لمّا رأى إعراضها عن دين الله تعالى، بنى لها صرحا عظيما جاء وصفه في القرآن أنّه من زجاج أملس {مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ}. فلمّا رأته ظنّته ماءً يُخاض، إلى درجة أنّها كشفت عن ساقيها، فإذا هو ليس بماء، وبذلك ظهر لها عظمة ملك نبيّ الله سليمان عليه السّلام، ثمّ ظهر لها صحّة ما دعاها إليه سليمان من دين الله عزّ وجلّ وتوحيده، فأخبرت أنّها ظلمت نفسها بالكفر، وأنّها أسلمت مع سليمان لله ربّ العالمين. فسبب بنائه للصّرح ظاهر، وهو إظهار ملكه وعظمته الّتي يخضع لها الملوك. – أمّا من قال: إنّه أراد أن يتزوّجها، فأراد أن يرى شيئا من بدنها ليرغّب نفسه إليها ! فهذا من كلام محمّد بن كعب القرظيّ رحمه الله، فإن صحّ عنه ذلك، فهو معروف أنّه يحكي كثيرا عن بني إسرائيل. – وليس هناك دليل على زواجه منها كما قال محمّد بن كعب، وليس هناك دليل على نفي زواجه منها كما فعل محمّد بن إسحاق رحمه الله. – ثمّ اعلم أنّه لو كان هناك مصلحة من ذكر ذلك كلّه لذكره الله تعالى، أو نبيّه صلّى الله عليه وسلّم. وقد ذهب بعض المفسّرين بعيدا في هذه القصّة، فقالوا: إنّها كانت شَعْراء السّاقين ! وإنّ رجلها كحافر حمار ! وإنّها بنت جنّي ! وإنّ سليمان أراد التثبّت من ذلك فأمر ببناء الصّرح !ه وليس على ذلك أثرة من دليل. والله اعلى و أعلم

منقول للافادة


هذا الموضوع منقول من :: منتديات الأنوار القادرية والأرواح الرحمانية :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه


from منتديات الأنوار القادرية لفضيلة الشيخ الفقير القادري http://ift.tt/17oXyL0

via IFTTT

أضف تعليقاً