نتائج الخـلوة للشيخ عبد القادر الجيلاني

نتائج الخـلوة للشيخ عبد القادر الجيلاني

فاعلم أن للخلوة نتائج خمسة : الواقعات, والمشاهدات, والمكاشفات, والتجليات, والوصول.
& فالواقعات: هو ما تجلى للقلب قبل أوصاف النفس الأمارة بالسوء وهي ثلاثة أقسام :
1) إما أن تكون من الصفات الشيطانية: كالمقطعات من الصور, فيشكلها الوهم في الخيار بتسويد الشيطان ليفزع السالك, فينقطع عن سلوكه .
2) وإما أن تكون من الصفات السبعية كالوحوش: فرؤية الغدر للذئب. والحرد للنمل. والجرأة للأسد. والحيلة والمكر للثعلب. والغبط للفهد. والغفلة للأرنب. وعدم الالتفات للنصيحة للثور. والحقد للجمل فإذا حمله وهو مطيع دل على سلامة نفسه وإذا كان أحمر اللون أسود العين دل على شوقه ووجده. والعداوة للحية. وإيذاء الناس للعقرب. والخواطر الشيطانية للزنبور. والشهوة البطنية للغنم. والشهوة العرضية للحمار فإن رأى أنه مات دل على غلبته على الشهوة. والحرص للنمل فإن رأى أنه ميت دل على التخلص منه. والبخل للفأرة. والشره للكلب والقرد. وكذلك سائر حشرات الأرض تدل على رد السالك إلى أسفل الطبيعة , وإنما وقعت تماثيلها في عالم الغيب ليأخذ السالك إلى حذره منها , ويهرب ويهذب نفسه بدوام الذكر والانقياد .
3) وإما أن تكون آدمية: كرؤية أصناف بني آدم: من بيض, وسود, وحمر, وطوال, وقصار, والجماعة من الرجال والنساء. ورؤية الأب والابن وكل ذلك دليل على عدم نفوذه إلى الرتبة الإنسانية التي هي مظهر تمامه ومبدأ كماله, لكنها أقرب خروجا من الأولى.
& وأما المشاهدات : فهو إما أن يتجلى من الأرضية أو السماوية.
ففي الأرضية كالجبال إشارة إلى جبلته, فكيفما رآها فهو ذاك! فإن رآها سوداء: دل على ظلمة قلبه, أو حمراء: فهي تلونه وعدم تمكنه, أو بيضاء: فهو خلوصه إلى دائرة الإسلام. وإذا رأى عيون الجبل تتفجر: فهو جبل قلبه. وأما رؤية الدهاليز الضيقة: فهي دهاليز وجوده.وأما رؤية الماء: فهي تدل على الصفاء إن كان صافياً. والكدورة في المعاملة الدينية إن كان كدراً. وأما نزوله من السماء: فهو رزق, فإن كان عن غيم: فهو متعلق بالأجسام يشار إليه أنه متهم بالرزق. وإن كان عن صحو: فهو العلم بالأحكام الشرعية. وأما رؤية الزرع: فهي نتائج الأعمال, والشجر الأذكار. وثمره إن كان ناضجاً: دل على عمارة قلبه. أو غير مثمر: دل على تساهله وعمله بالرخص. أو زهره: دل على ابتداء عمله. وأما رؤية الدور: فهي تدل على ظهور طبيعته. فإن رأى فيها الماء: دل على سريان العلم في طبعه. وإن رآها مفروشة: دل على اهتمامه بأمر طبعه. أو غير مفروشة: دل على عدم اهتمامه بذلك وهو حسن. وأما السفر: فإن كان لمكة أو المدينة: دل على توجهه إلى الله تعالى. أو لبيت المقدس: دل على إصلاح حاله. وأما ركوب السفينة: فهو تمسك بالشريعة وحسن سيره. وأما رؤية الوحل والطين والوقوع فيه: ففساد للحال. ولبس الخفين والنعلين: استقامة في السير. ومشيه حافياً: دليل خبطه. ورؤية نفسه عريانا: دليل على تجرده إن كان سالكا, وإلا فعدم احترازه عن المعاصي. وأكل اللحم والخبز والأطعمة الناضجة: غداء معنوية, والعسل علم لدني, واللبن فطرة. وصفاء الملابس ونظافتها: صفاء القلب والنفس, وكدرهما وضياع محرمته: خراب حاله. وموته أو موت آخر تحته: موت نفسه لكنها إذا وجدت هواها تحيا.
& وأما المكاشفات: فهو كناية عما يبدو للقلب من ملوكات الأِشياء ولطائفها, كالإطلاع على الملائكة ورؤيتهم في صورة حسنة , وعلى جواهر السموات , وعلى صفاء المياه البسيطة, بكشف حقائقها, فيرى بساط الأشياء ممتدة متهيكلة في صورها التي خلقها الله تعالى عليها, ومن هنا أسرار الأشياء .
& وأما التجليات: فعند غيبته عن الصور الكونية تتجلى له الأسماء الإلهية والنعوت الربانية , ولكن من وجه العلم بها , فإن المرتبة الأسمائية وهي الألوهية تعلم ولا تشهد , والذات المقدسة تشهد ولا تعلم , وفي هذه الحضرة يكون السلوك في مقام الإسلام , والإحسان والأيمان بالتعلق والتحقق والتخلق. فأما التعلق: فهو الافتقار إليه تعالى بتلاوة الاسم تعظيما للربوبية وقياما بواجب حقها, فإن رفعة الحق تعالى بمنة وكرمه وفضله إلى مرتبة التحقيق , اطلع على معاني الأسماء من حيث ظهور معانيها, فيعرف منها ما يراد بها من تجليها في عالم النفوس وعالم الآفاق, وفي هذا المقام يطلع على صور إسرافيل, وما أودع الله تعالى فيه من العجائب, وعلى قيام الصور والأرواح بالرقائق الأسمائية, وأنه ما في الوجود إلا أسماؤه تعالى, فهي التي أوجدت البسائط وركبتها وأمدها الله تعالى بالوجود, فلو انقطع مدد الاسم لحظة عاد الكون إلى عدمه .
& وأما الوصول: فهو كناية عن إدراك الغائب من الحق تعالى, وذلك أن الحق عزوجل لما أراد أن يخلق المخلوقات, وكان سبحانه وتعالى لم يكن شيء معه, وأحب أ، يعرف كما صرح الحديث القدسي ظهر باسمه تعالى الرحمن, وسرت أنفاس الرحمانية في غيبه, فصارت مرآة كاملة لا يتغير ما تجلى فيها عن صورته, من أنه تعالى تجلى فيها, فانعكس من نور التجلي في هذه المرآة صورة كاملة جامعة لسائر الأسماء والصفات الإلهية, متصفة بصفة الجمع الذاتي, فقبض هذه الصور وهي إنسان وسماها محمدا لجامعيته الحمد, ولذلك سميت الكائنات كلها به. ثم إن الله تعالى نظر إليه فرآه على صورة جمعية أسمائه , فأحبه محبة ذاتية لا تنتابها الأعراض , ولا يدخلها السوء , واتصل أمداد المرتبة الإلهية له إلى الأبد , ولا تزال هذه الذات الكاملة تتسع علوا بها باتساع الموجودات . فما من ذرة من الذرات الوجودية إلا وعن شعاع نوره ظهرت عينها , وامتدت من باطن غيبها , فشهادتها لعناية الإيجاد , وغيبها لعناية الإمداد , وهي المبدأ الأول . فإذا أراد الله بعبد من أهل الكمال أن يوصله إليه , سلك به على هذا المشروع المحمدي , فلا يزال يتبتل حتى تفنى ذراته كلها , ويبقى على ما فيه من الرقيقة المحمدية , والرقيقة الصمدية , ولولا الجذبة الإلهية لما قدر على السلوك إلى هذا المبدأ , فإنه صعود إلى أحسن تقويم . وهي الصورة التي انطبعت في المرآة الأزلية , وكل ما ظهر وترجم عنه من العلوم فإنما هو من تلك الحضرة , فإنها حضرة الإجمال , وكل ما كان مما بعدها إلى الأبد فهو تفصيلها .
تكميل : وأما الخلوة المطلقة فهو دوام الحضور, وهي لا تكون إلا للراسخين في العلم, القائمين بالله في كل الأمور, لم يحجبهم الخلق عن الحق, ولم يغيبوا بالحق عن الخلق, فهم أهل جمع الجمع .
تتميم : إذا أراد الحق تقريب عبد من عبيده, دل عليه , فنظر في نفسه فرآها محجوبة, فطلب رفع الحجاب عنها ليرى ما خلفه مما أودعه الله تعالى في خزانة ذات العبد من العجائب, وتشوق إليه كمال التشوق , فلم ير سماء وأرضا, فنظر إلى سمائه وهي روحه, فانقلب بصره إليه خاسئا وهو حسير. فنظر إلى أرضه وهي جسمه, فلم ير إلا صورته الخيالية, فأخذه الوله والحيرة, فهتف هاتف الأهوال أن تعلق باسم ربك عبودية وافتقارا, واشتعل بتلاوة كتابه وإتباع سنة نبيه r, فأخذ في العمل بمقتضى العبودية, فنتج له كيفية السلوك من مبدئه وهو ذاته, إلى غايته وهو مولاه الكريم تعالى, فانشرح صدره, وذهب حصر طبعه وضيق حسه, وسرح سره ولطيفته في الغيب الأقدس والمحل الأنزه الأنفس, فكان محفوظا مأذونا بكل ما يريد, معاقي من الجهل, وكيف يوصف بالجهل من عرف نفسه فرجع بها إلى ربه وأوصلها إلى الموطن الذي تنزلت منه, فأرجعها الرب تعالى راضية مرضية عنده, وسطعت أنوار الرضا على قابلها ومحل ظهورها, ثم الحق تعالى طبعها فطهر ما اختزن فيها من العلوم تؤلف, ولم يوضح لها عبارة, ولكن إذا أراد سبحانه أن يظهر منها ما شاء لمن شاء, أوجد من الظهور لها قوالب من ألفاظ, وصاغها من القبول, فظهرت جملا مشتملة على الدلالة إلى طريق القرب, ففاز من أخذها قابلا, وجهل من أعرض عنها بالرد. ولذلك قال النبي r: إن من العلم كهيئة المكنون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى, فإذا نطقوا به فلا ينكر عليهم إلا أهل الغرة بالله .
خاتمة : اعلم أن الذكر ابتداؤه تمرين يحتاج إلى صبر, وواسطة تلذذ , وأنس وفرحة . ونهايته نزول في مقامه , وهي دار الفر وانية ذات المنازل, وهنالك يضرب الله تعالى على من منحهم هذا المقام سرادقات الحفظ, ويحجبهم عن الأكوان, سترا على مقامهم, وغيرة على حمائهم . فأدم قرع الباب, واستعن على نفسك بالالتجاء إلى الكريم الوهاب, لتكون من جملة الأحباب. وأدم التعرض لنفحات ربك, وإن تحققت بكمال قربك , فإن التعرض اعتراف بالحاجة. والأدباء من أهل الله تعالى, لا يزالون يشهدون البعد في عين القرب, تأدبا مع الحضرة الإلهية, وقياما بصفة العبودية . فمن أ راد السعادة الأبدية والسيادة السرمدية , فليجعل الأدب أمامه , والمشيئة وراءه , والإقبال على الكريم امتثالا لأمره , وقياما بشكره , بواجب .
نسأله أن يرزقنا دوام التوفيق ,وأن يهدينا إلى سواء الطريق, إنه الفتاح العالمين, المنان الكريم, ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, وصلى الله وسلم على صاحب اللواء المعقود, والحوض المورود, والشفاعة العظمى في اليوم الموعود, سيدنا محمد المصطفى, وعلى آله, وأصحابه, وأحزابه, وأتباعه, آمين يا رب العالمين .