( هل كان بين الصوفية والمحدثين صراع)… بين يدي الشيخ الفقير القادري

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله

 

اقدم هذا البحث جمعا وترتيبا وتساؤلات واستبصارا بين يدي سيدي واستاذي وشيخي الحبيب الفقير القادري عليه سلام الله لعل الله يكرمنا ويرحمنا بين يدي احبابه ويعطف علينا ربي الكريم الحنان المنان بالسعادة فمن جاور السعداء سعد…

 

(اسال الله ان تقبلها منا سيدي…)

 


 

ثم اطلب منك انت ايها المحب والباحث والحائروالسالك والمتردد ……..ان تسعفنا وقتك وعقلا وبصرك وبصيرك وتجلس معنا دون عجلة متأملا متبصرا متعلما فاهما …لعل الكريم يضئ لنا ولك انوار طريق اهل السابقة بالحسنى …..

 

فنقول

 

ما علاقة العالم الجهبذ الامام السيوطي بالطريقة الشاذلية

 


 

ولما ذهب هذا الرجل الفذ وحيد عصره في علوم شتى قل ما اجتمعت في الواحد عندالشاذلية واشاذ بهم وهم صوفية وهو محدث ؟

 

رجل بارز مثل الامام السيوطي هو العلم البارز في عصره الجامع لشتات العلوم، ومن المحققين جمع الحديث وتخريجه

 

ماذا كان يفعل المحدث عند الصوفي

 

هذا الإمام السيوطي جامع علوم عصره المتبحر المتفنن الذي نازع معاصريه الزعامة وقارعهم بعناده واعتداده بنفسه يلجأ إلى المشايخ الشاذلية يتخذهم قدوة وأدلة. كتب في «حسن المحاضرة» دعواه، وهو جدير بها رحمه الله: «رزقت التبحر في سبعة علوم التفسير والحديث والفقه والنحو والمعاني والبيان والبديع على طريقة العرب والبلغاء لا على طريقة العجم وأهل الفلسفة. والذي أعتقده أن الذي وصلت إليه من هذه العلوم الستة، سوى الفقه والنقول التي اطلعت عليها منها، لم يصل إليه ولا وقف عليه شخص من الأشخاص. فضلا عمن هو دونهم.

 

وأما علم الحساب فهو أعسر شيء علي وأبعده عن ذهني. وإذا نظرت في مسألة تتعلق به فكأنما أحاول جبلا أحمله. وقد كملت عندي آلات الاجتهاد».

 

ما بال مثل هذا الرجل المعتز بعلمه، المنفرد في عصره بالاطلاع الواسع، المؤلف المرموق، المقرب إلى «خليفة» عصره المتوكل على الله العباسي، المحسود من طرف فقهاء مصر، خاضوا ضده معارك حامية، يذهب إلى المشايخ أهل الطريق يخضع لهم ويتتلمذ ؟ ألم يكفه ما في بطون الكتب من علم غزير؟

 

عبرة لك يا سيدي يا أخي يا حبيبي يا من ترشد الناس لقراءة كتب الصوفية. «تأييد الحقيقة العلية وتشييد الطريقة الشاذلية»، هذا عنوان كتاب السيوطي، وهو مطبوع. فابحث عنه عله يكون آخر ورقات تبحث فيها عن التربية الإحسانية، ولن تجد فيه إلا شهادة رجل صادق خشي كما تخشى أن يكتم شهادته، ﴿َمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.

 

ما الذي فقده الفقهاء والمحدثين ووجدوه عند الصوفية

 

ما الشيء الذي كان يبحث عنه الفقهاء والمحدثين عند الصوفية اهل الخلوات والاوراد والاذكار والنقطاع

 

في عصور الاسلام الاولى كان بين اهل الحديث والصوفية حب وورع واحترام وتعاون واخوة وتزاوروتعلم

 

وليس كما نشاهد اليوم او نقرا بانه هناك صراع عميق واو كما يحاول الاخوة السلفيون ان يصورنه للامة على ان الصوفية هم شر خلق الله وانه اهل الضلال والبدع والانحراف وفي المقابل يرى بعض اتباع الصوفية ان السلفيين اتباع ابن تيمية هم اصل كل شر في الامة

 

فشيخ الإسلام ابن تيمية، وهو المحدث الناطق عن نفسه وعن طائفة من أهل الحديث الحنابلة، ما كان يستهدف الصوفية الصادقين، بل كان موجها لمن اعتبرهم أهل الحديث المتأخرون أدعياء منحرفين…

 

وبالتالي فإن كبار السلفيين( ان صح هذا القول ) كابن تيمية، وابن القيم لا ينظرون إليهم أعداءا للتصوف، بل يعد عند البعض، وخاصة ابن القيم، أحد أبناء التصوف ، ويسمى ابن تيمية المتصوفة في بعض كتبه بأهل الله، ويقول عنهم، منهم السابق بالخيرات، ومنهم المقتصد، ومنهم الظالم لنفسه كسائر طبقات الأمة

 

وشيخ الإسلام ابن تيمية مهما كانت حدته رجل صادق في اقتفائه أثر السلف الصالح. أحيانا يلج في الخصام ويبين أثناء حمية الجدل فيتلقف المقلدة تلك اللحظة العابرة في تفكير الرجل ليتخذوها سندا لتزمتهم وعنفهم. أما في سائر كتاباته فرجوعه إلى السنة الصحيحة وإلى عمل الصحابة يدله على الاعتدال والتريث والتثبيت

 

. قال رحمه الله: «ومازال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل (مسائل الخلاف في العقيدة، فكلامه هذا جاء في نقاشه لخلاف الأشاعرة والحنابلة) ولم يشهد أحد منهم على أحد لا بكفر ولا بفسق ولا معصية».

 

وقال: «مع أني دائما ومن جالسني يعلم ذلك مني: إني من أعظم الناس نهيا أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية. إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى. وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العملية».

 

وكما تحدث الشوكاني في منظومته عن الرافضة، وهم الذين يسبون الصحابة قاتلهم الله، فلم ينسبهم للكفر مع أن بدعتهم من أشد البدع سوادا ولؤما، فإن ابن تيمية سبقه إلى موقف الاعتدال منهم، مع أنه في عامة كتبه صب عليهم وابلا من غضبه فعدوه ناصبيا. والنواصب خذلهم الله هم من يكرهون آل البيت عليهم السلام.

 

قال: «فالرافضة لما كانت تسب الصحابة صار العلماء يأمرون بعقوبة من يسب الصحابة».

 

أين تكمن المشكلة؟

 

لماذا لا يتفاهم الطرفان؟

 

هل المشكلة في الفكر؟ أم في المنهج؟ أم في الإنسان؟

 


 

اتركك ايها القارئ تنظر في كتاب سير أعلام النبلاء للعلامة الذهبي رحمه الله

 

لترب العجائب وادب الاختلاف والنقذ إذ قال في الجاحظ اللغوي العظيم: العلامة المتبحر ذو الفنون، وكان أحد الأذكياء… وكان ماجنا قليل الدين له نوادر .

 

وتكلم العلامة عن أحد علماء المعتزلة وهو الخياط المعتزلي فقال: شيخ المعتزلة البغداديين، له ذكاء مفرط، والتصانيف المهذبة، وكان من بحور العلم، له جلالة عجيبة عند المعتزلة.

 


 

هل رأيت الانصاف حين يكون منهجا، بل حين يكون علما وممارسة في كتب العلم والفقه والفكر؟ !.

 

في العهود الأولى كان احترام متبادل وتعاون على البر والتقوى.

 

ائمة تخرجوا من مدرسة الصوفية

 

هناك من الصوفية من تخرج من مدرسة الرواية وهناك من المحدثين من تصوف على يد شيخ صوفي .كان بين أئمة الحديث، ومشايخ القوم، اخوة وتواصل وتسليم ومصافاة .

 

الامام أحمد بن حنبل : …. ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم

 

نقل تاج الدين ابن السبكي في «طبقات الشافعية» عن الحافظ الكبير أبي عبد الله الحاكم قصة الإمام أحمد ابن حنبل مع الشيخ الحارث المحاسبي. قال الحاكم بسنده المتصل إلى إسماعيل بن إسحاق السراج،

 

قال اسماعيل: «قال لي أحمد بن حنبل: بلغني أن الحارث هذا يكثر الكون عندك (يكثر من الحضور في بيتك) فلوأحضرته منزلك وأجلستني من حيث لا يراني فأستمع كلامه. فقصدت الحارث وسألته أن يحضر تلك الليلة وأن يحضر أصحابه.

 

فقال: فيهم كثرة، فلا تزدهم على الكسب (الخبز) والتمر، فأتيت أبا عبد الله (ابن حنبل) فأعلمته فحضر إلى غرفة واجتهد في ورده. وحضر الحارث وأصحابه فأكلوا. ثم صلوا العتمة (العشاء) ولم يصلوا بعدها. وقعدوا بين يدي الحارث لا ينطقون إلى قريب نصف الليل. ثم ابتدأ رجل منهم فسأل مسألة، فأخذ الحارث في الكلام، وأصحابه يستمعون كأن على رؤوسهم الطير. فمنهم من يبكي، ومنهم من يحن، ومنهم من يزعق وهو في كلامه.

 

فصعدت الغرفة لأتعرف حال أبي عبد الله، فوجدته قد بكى حتى غشي عليه. فانصرفت إليهم. ولم تزل تلك حالهم حتى أصبحوا وذهبوا. فصعدت إلى أبي عبد الله فقال: ما أعلم أني رأيت مثل هؤلاء القوم، ولا سمعت في علم الحقائق مثل كلام هذا الرجل. ومع هذا فلا أرى لك صحبتهم. ثم قام فخرج».

 

وفي رواية أخرى أن أحمد قال: «لا أنكر من هذا شيئا».

 


 

قال ابن السبكي: «قلت: تأمل هذه الحكاية بعين البصيرة واعلم أن أحمد بن حنبل إنما لم ير لهذا الرجل صحبتهم لقصوره عن مقامهم. فإنهم في مقام ضيق لا يسلكه كل أحد، فيخاف على سالكه. وإلا فأحمد قد بكى وشكر الحارث هذا الشكر. ولكل رأي واجتهاد، حشرنا الله معهم أجمعين في زمرة سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم».

 


 

الامام احمد علم المحدثين بالله عليكم ماذا كان يفعل عند رجل يعظ وبين يديه بكائين؟

 

لو لم يكن الامام احمد من الورعين لما اثر فيه وعظهم وغشيه ما غشيهم

 

إن أهل الحديث رضي الله عنهم هم أهل الإحسان بالمعاني المتعددة للكلمة: إحسان في العبادة، وإتقان لصناعتهم الجليلة، وإحسان للخلق كافة بما حفظوا عليهم من هذا الدين. صحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحبة خدمة واتباع ومحبة. خدموه بأبدانهم يرحلون الرحلات الشاقة البعيدة لسماع حديث أو تحقيق كلمة. وخدموه بعقولهم في تصحيح إسناد ونقد رجال وإثبات تاريخ وتقويم متن. وخدموه بقلوبهم غيرة على حديث خير البرية أن يزور أو يحرف. لاجرم يعم فضلهم الأمة ويوصي ابن حنبل صاحب الدار، ولعله كان تلميذا له، أن يترك حلق الذكر الخاصة الخاص نفعها ليتفرغ للعلم الذي يعم نفعه كل طائفة وكل مكان وكل جيل.

 

ما كل من حمل الحديث بمنزلة الإمام أحمد ولا كل من تسمى صوفيا بمعزل عن اللوم. أمثال أحمد الذين تشربوا حب المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وإكبار أمره وأفنوا أعمارهم في خدمته قليل. هم أئمة الهدى.

 

يقول الإمام الشافعي متحدثا عن الجناب الشريف: «فصلى الله على نبينا كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون. وصلى عليه في الأولين والآخرين، أفضل وأكثر وأزكى ما صلى على أحد من خلقه، وزكانا وإياكم بالصلاة عليه أفضل ما زكى أحدا من أمته بصلاته عليه. والسلام عليه ورحمته وبركاته. وجزاه الله عنا أفضل ما جزى مرسلا عن من أرسل إليه. فإنه أنقذنا من الهلكة، وجعلنا في خير أمة أخرجت للناس، دائنين بدينه الذي ارتضى، واصطفى به ملائكته ومن أنعم عليه من خلقه. فلم تمس بنا نعمة ظهرت ولا بطنت، نلنا بها حظا في دين ودنيا، أو دفع بها عنا مكروه فيهما أو في واحد منهما، إلا ومحمد صلى الله عليه وسلم سببها، القائد إلى خيرها، والهادي إلى رشدها».

 

اهل الحديث اولياء الله

 

كان اهل الحديث من اهل الاحسان والتقوى والتقى

 

كان حب الله ورسوله رابطة جامعة بين كل طوائف السلف الصالح. وكانت نسبة الإيمان واصلة، ونسبة الإحسان سارية يشيم ومضها بعضهم من بعض ويشتم عبيرها بعضهم من بعض.

 

لما امتحن الإمام أحمد في مسألة خلق القرآن وأعلن المامون ومن بعده المعتصم تحيزهما لجانب الفكر الدخيل خنس كثير من الفقهاء والقراء، وتمالأ على الإمام قضاة القصر وبغاته، وبقي هو رضي الله عنه صامدا كالجبل ينافح عن صفاء العقيدة وحرمة القرآن. في تلك الأثناء كتب إليه الشافعي رسالة تشجيع وتضامن. قال الربيع بن سليمان صاحب الإمام الشافعي: «فدخلت بغداد ومعي الكتاب. فصادفت أحمد بن حنبل في صلاة الصبح. فلما انفتل من المحراب سلمت إليه الكتاب

 

وقلت: هذا كتاب أخيك الشافعي من مصر. فقال لي أحمد: نظرت فيه؟ فقلت: لا، فكسر الختم وقرأ، وتغرغرت عيناه. فقلت له إيش فيه أبا عبد الله؟ فقال: يذكر فيه أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال له: اكتب إلى أبي عبد الله فاقرأ عليه السلام، وقل له: إنك ستمتحن وتدعى إلى خلق القرآن فلا تجبهم، فيرفع الله لك علما إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت له: البشارة يا أبا عبد الله. فخلع أحد قميصيه الذي يلي جلده فأعطانيه. فأخذت الجواب وخرجت إلى مصر. وسلمته إلى الشافعي. فقال: إيش الذي أعطاك؟ فقلت: قميصه. فقال الشافعي: ليس نفجعك به. ولكن بله وارفع إلي الماء لأتبرك به».

 

 

ماذا ترون في هذه السطور ايها الاحباب

 

أئمة يتكلمون بالرؤى

 

ائمة يرون المخدوم الأعظم صلى الله عليه وسلم،

 

ائمة يتبركون بآثار بعضهم …

 


 

كان في المحدثين اولياء

 

روى نفس الصاحب الربيع بن سليمان قال: «دخلنا على الشافعي رضي الله عنه عند وفاته أنا والبوطي والمزني ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم. قال: فنظر إلينا الشافعي ساعة فأطال. ثم التفت إلينا فقال: أما أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديدك، وأما أنت يا مزني فسيكون لك بمصر هيآت وهنات، ولتدركن زمانا تكون أقيس أهل ذلك الزمان. وأما أنت يا محمد فسترجع إلى مذهب أبيك. وأما أنت يا ربيع فأنت أنفعهم لي في نشر الكتب. قم يا أبا يعقوب فتسلم الحلقة (أي حلقة التعليم التي كان يجلس فيها الشافعي). قال الربيع: فكان كما قال».

 

كانت لوائح الولاية لائحة على الإمام البخاري.

 

كانت له كرامات ودعوات مستجابات. وما له لا يكون من أصحاب الاستجابة والتجلي وهو السابق بالخيرات .كان رضي الله عنه قواما صواما تاليا لكتاب الله معظما لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبا له خادما.

 

روى عنه صاحبه الفربري أنه كان لا يكتب في صحيحه حديثا إلا بعد أن يغتسل ويصلي ركعتين. وكذلك كان الإمام مالك رضي الله عنه من قبله، لايجلس للحديث إلا بعد أن يغتسل ويتطيب. ولا يركب دابة في المدينة على كبر سنه، ويقول: «لا أركب في بلد جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه مدفون». بذلك نالوا عند الله جل وعلا الدرجات.

 

قال محمد بن أبي حاتم: سمعت أبا عبد الله (البخاري) يقول: «ما ينبغي للمسلم أن يكون بحالة إذا دعا لم يستجب له».

 

قال: «وسمعته يقول: خرجت إلى آدم بن إياس، فتخلفت عني نفقتي، حتى جعلت أتناول الحشيش ولا أخبر بذلك أحدا. فلما كان اليوم الثالث أتاني آت لم أعرفه، فناولني صرة دنانير وقال: أنفق على نفسك».

 

هل الامام البخاري كان من اهل الخرفات والشعوذة والاحلام والسحر حتى يحصل على الذنانير ايها الاحباب

 

إن من لا يؤمن بمعجزات الأنبياء وكرامة الله عز وجل لأوليائه عن طريق الأسباب أو بخرق العادة لمدخول العقيدة.

 

كان البخاري رحمه الله يقوم في الليل أكثر من عشر مرات ليدون حديثا أو فائدة، لا يترك له الاهتمام بالعلم نوما.

 

مرض واشتد به المرض فدعا الله ربه قائلا بعد أن فرغ من صلاة الليـل: «اللهم قد ضاقت علي الأرض بما رحبت فاقبضني إليك».

 

قال الراوي: «فما تم الشهر حتى قبضه الله عز وجل». فلما حضرته الوفاة دعا بدعوات ثم اضطجع فقضى رحمه الله. قال الراوي: «فلما دفناه فاح من تراب قبره رائحة غالية (الغالية نوع من الطيب الفاخر). فدام على ذلك أياما. ثم علت سوار بيض في السماء مستطيلة بحذاء قبره فجعل الناس يختلفون (أي يأتون الجماعة بعد الأخرى) ويتعجبو».

 

كان من أهل الحديث من يبحث عن دليل يسلك به إلى الله، يتخذه شيخا مربيا يلزمه، بعد أن رقت الكثافة الإيمانية الإحسانية التي كانت شائعة سارية في الجو في مجتمع القرون الفاضلة. في تلك القرون كانت الصحبة والاقتباس الروحي عملية فطرية، يجذب القلب الكبير القلوب الظمأى إليه في يسر وصداقة ورحمة. كانت الوشيجة الرابطة بين المحدثين حبهم المشترك لله ورسوله وبحثهم المشترك عن العلم.

 

كان الشافعي يقول لابن حنبل رضي الله عنهما: «أنت أعلم بالحديث مني، فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه، شاميا كان أو كوفيا أو بصريا».

 

اخوة بين شيخ صوفي وشيخ محدث

 

كان بين عبد الله بن المبارك وبين الفضيل بن عياض صداقة وأخوة في الله.

 

فضيل يعده الصوفية منهم، وابن المبارك من مشايخ مشايخ البخاري.

 

قال ابن تيمية شيخ الإسلام: «قال سيد المسلمين في وقته الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾. قال: أخلصه وأصوبه. قيل له: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإن كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة».

 


 

شهد ابن المبارك في أخيه الفضيل قال: «ما بقي على ظهر الأرض أفضل من الفضيل بن عياض».

 

وقال الفضيل: «ورب هذا البيت، ما رأت عيناي مثل ابن المبارك».

 

كان ابن المبارك محدثا عالما فارسا عابدا كريما كثير النفقة في سبيل الله، يحج عاما ويغزو عاما. وكان شاعرا. كان أمة وحده. وكان الفضيل زاهدا ذاكرا ورعا آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر.

 

كانا نموذجين متكاملين لأهل الخير. ولم تمنع أخوتهما الصادقة وإكبار كل منهما لصاحبه من المصارحة والمناصحة.

 

كتب ابن المبارك إلى أخيه الفضيل هذه الرسالة الشعرية التي تستحق أن نطرق بها في زماننا باب كل ناسك منزو في خلوته، وأن نسمعها كل عالم يخشى الله ويشركه في الخشية الناس فينكص عن ميادين الجهاد مكتفيا بأوراده يتمتمها. قال الفارس العالم:

 

«يا عابد الحرمين لو أبصــرتــــــــــنا لعلمت أنك في العبــادة تلعـب

 

من كان يخضب خده بدموعـــه فنحــــــــــــــــــــــورنا بدمـائنـا تتخـضـب

 

أو كان يتعب خيله في باطـــــــــل فخيــــــــــــــــــولنا يوم الكريهـة تتعـب

 

ريح العبير لكم ونحن عبيـــــــــــرنا رهج السنابك والغبـار الأطيــب

 

ولقد أتـــــــــــــــانا عن مقــال نبيــــنــا قول صحيـح صـادق لا يكـذب

 

لا يستوي وغبـار خيـل الله في أنف امرىء دخــــــان نار تلهــب

 

هذا كتــاب الله ينطــق بينـــــــــنــا ليس الشهيد بميت لا يكذب

 

امام محدث يتمنى ان يدفن بجوار زاهد صوفي

 

اتخذ إمام الأئمة في الحديث ابن خزيمة موقفا معظما من أحد صوفية عصره هو أبو علي الثقفي.

 

ولما حج الخطيب البغدادي شرب من ماء زمزم عملا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ماء زمزم لما شرب له»، وطلب من الله تعالى ثلاث حاجات: أن يحدث بتاريخ بغداد، وأن يملي بجامع المنصور، وأن يدفن إذا مات عند قبر بشر الحافي، وقد استجاب الله دعاءه في الثلاث الحاجات.

 

وبشر الحافي من أكابر الزهاد الصوفية. فلا تعجب من بغية محدث بارز في الدنيا أن يدفن مع مثل بشر رجاء أن يحشر في صفه.

 

وصحب أبو عبد الله الحاكم المحدث الكبير مؤلف «المستدرك» الشيخ الصوفي أبا عمرو بن محمد بن جعفر الخلدي والشيخ أبا عثمان المغربي وجماعة.4

 

أما الإمام النووي شارح صحيح مسلم وأحد أعلام هذه الأمة، فقد أخذ طريق القوم عن شيخه الشيخ ياسين ابن يوسف الزركشي.5 وصحب شيخا آخر قال عنه: «الفقيه الإمام الحافظ المتقي الضابط الزاهد الورع الذي لم تر عيني في وقتي مثله. كان رحمه الله بارعا في معرفة الحديث وعلومه وتحقيق ألفاظه، لا سيما الصحيحات، ذا عناية باللغة والنحو والفقه ومعارف الصوفية حسن المذاكرة فيها.

 

وكان عندي من كبار المسلكين في طريق الحقائق، حسن التعليم. صحبته نحو عشر سنين لم أر منه شيئا يكره. وكان من السماحة بمحل عال على قدر وجده، وأما الشفقة على المسلمين ونصيحتهم فقل نظيره فيهما».

 

تعج كتب الطبقات، سواء منها طبقات الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، بذكر العلماء العاملين المبرزين في علوم الحديث المشاركين في الفقه المتميزين أيضا في ميدان التصوف.

 

الحنابلة لايحبون اسم «الصوفي»، فتجدهم يستعملون ألفاظ «الصلاح» و«التقوى» و«الخيرة». وكل كانوا صادقين، رحمهم الله ورحمنا أجمعين. آمين.

 

إنه ابن حجر الهيثمي. قال: «فمستنبطو الفروع هم خيار سلف الأمة وعلماؤهم وعدولهم وأهل الفقه والمعرفة فيهم. فهم قوم غذوا بالتقوى وربوا بالهدى. أفنوا أعمارهم في استنباطها وتحقيقها بعد أن ميزوا صحيح الأحاديث من سقيمها وناسخها من منسوخها. فأصلوا أصولها ومهدوا فروعها. فجزاهم الله عن المسلمين خيرا وأحسن جزاءهم، كما جعلهم ورثة أنبيائه وحفاظ شرعه، ألحقنا الله بهم وجعلنا من تابعيهم بإحسان».

 

ويكتب عن العارفين الصوفية: «العارفون بالله الذين وفقهم الله لأفضل الأعمال، وحفظهم من سائر المخالفات في كل الأحوال. ثم كشف لهم الغطاء فعبدوه كأنهم يرونه، واشتغلوا بمحبته عما سواه. وأطلعهم على عجائب ملكه، وغرائب حكمه، وقربهم من حضرة قدسه، وأجلسهم على بساط أنسه، وملأ قلوبهم بصفات جماله وجلاله، وجعلها مطالع أنواره، ومعادن أسراره، وخزائن معارفه، وكنوز لطائفه. وأحيى بهم الدين، ونفع بهم المريدين، وأغاث بهم العباد، وأصلح بهم البلاد».

 

ثم يتحدث عن الفقهاء ليعقد المقارنة فيقول: «علماء الظاهر الذين عرفوا رسوم العلوم الكسبية، وعويصات الوقائع الفعلية والقولية، وغرائب البراهين العقلية والنقلية، حتى حفظوا سياج الشرع من أن يلم به طارق، أو يخرقه مبتدع مارق. فالأولون (أي العارفون) أفضل، وإن كان للآخرين (الفقهاء حماة الشريعة) فضل عظيم، بل ربما كانوا أفضل من حيثية لا مطلقا».

 

 

انقياد الفقهاء للمشايخ المربين، وانصياعهم لأمرهم، وتلقيهم بالتسليم والموافقة لتوجيهاتهم، ثم تعظيمهم لهم ومحبتهم إياهم واعترافهم بفضلهم تقرأ هذا في أثباتهم وفهارسهم، وفي كتب التاريخ والطبقات. فهل هي ظاهرة تدل على صبيانية رجال الإسلام أم هناك مادة نورانية لا توخذ من الكتب بل من قلوب أهل الصفاء والوفاء؟

 

إن من لا حرقة في نفسه إلى معرفة الله لا يبحث، وإن بحث فلمجرد الاطلاع وإرضاء الفضول.

 

 

انصياع عالم فقيه حجة « لشيخ »، يطيعه فيما يأمر بلا نقاش

 

باحث عن الحق صارم ترك لنا بمجموع تاريخه وثروة فكره وثمين مؤلفاته شهادة بليغة كانت لأجيال المسلمين منذ تسعة قرون معينا لا ينضب من الفهم والاقتداء والانتقاد والأخذ والرد أيضا. إنه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه، الجبل الراسخ الذي لايسع المفكر ولا العالم ولا الفقيه ولا الصوفي ولا السياسي ولا الباحث عن أسرار النفس البشرية ولا المؤرخ للفكر الإسلامي والإنساني أن يمروا به مر الكرام.

 

بعضهم يقرأ نقدا لهذه الفكرة أو تلك النظرة من نظرات الغزالي وفكره فيسد عليه النقد الهدام بأنقاضه منافذ التمييز. إن أخطأ

 

كتاب «المنقذ من الضلال» كتاب عظيم الفائدة على صغر حجمه. لخص فيه حجة الإسلام مسيرته وحيرته وأخطاءه وسلوكه.

 

قال: «ثم إني لما فرغت من هذه العلوم (العلوم النقلية والعقلية في عصره قتلها دراسة ونقاشا) أقبلت بهمتي على طريق الصوفية، وعلمت أن طريقتهم لا تتم إلا بعلم وعمل. وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس، والتنزه عن أخلاقها المذمومة، وصفاتها الخبيثة، حتى يتوصل إلى تخلية القلب عن غير الله، وتحليته بذكر الله. (…) فلم أزل أفكر فيه مدة، وأنا بعد على مقام الاختيار أصمم العزم على الخروج من بغداد، ومفارقة تلك الأحوال يوما (الأحوال التي كان فيها هي منصبه المرموق مدرسا في «النظامية» أكبر «جامعة» في بغداد وسمعته كفقيه تشد لفتواه الرحال). قال: وأحل العزم يوما، وأقدم فيه رجلا وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة إلا وتحمل عليها جند الشهوة حملة فتفترسها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! فلم يبق من العمر إلا القليل! وبين يديك السفر الطويل! وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل. فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهروب والفرار. ثم يعود الشيطان ويقول: هذه حالة عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال. فإذا أعرضت عنها وتركت هذا الجاه العريض والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمن الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة».

 

ومرض الرجل مرضا شديدا، انعكس الصراع النفسي المحتدم في جوفه على جسمه فأرداه، كذلك الهمم العالية تنوء بحملها الأجسام. ويئس الأطباء فلم يبق ملجأ إلا الله الرؤوف الرحيم. وبرأ أبو حامد من أمراض جسمه ومن تردده، فأوصى لعياله، ثم غادر بغداد متخففا يبحث عن رجل من لحم ودم يدله على الله بعد أن أعياه البحث عن الحق في بطون الكتب، وزحمه هم الآخرة وهم الله.

 

لقي شيخا مربيا فصحبه وشاوره وائتمر بأمره. ويتحدث عن «المتبوع المقدم» (كأنه ينظر إلى قول موسى للخضر عليهما السلام: هل أتبعك)

 

فيقول: «فمن كان لله كان الله له. حتى إنه في الوقت الذي صدقت فيه رغبتي لسلوك هذه الطريق شاورت متبوعا مقدما من الصوفية في المواظبة على تلاوة القرآن. فمنعني وقال: السبيل أن تقطع علائقك من الدنيا بالكلية، بحيث لا يلتفت قلبك إلى أهل وولد ومال ووطن وعلم وولاية. بل تصير إلى حالة يستوي عندك وجودها وعدمها، ثم تخلو بنفسك في زاوية، تقتصر من العبادة على الفرائض والرواتب، وتجلس فارغ القلب، مجموع الهم، مقبلا بذكرك على الله تعالى. وذلك في أول الأمر بأن تواظب باللسان على ذكر الله تعالى، فلا تزال تقول الله الله، مع حضور القلب وإدراكه، إلى أن تنتهي إلى حالة لو تركت تحريك اللسان لرأيت كأن الكلمة جارية على لسانك، لكثرة اعتياده. ثم تصير مواظبا عليه إلى أن ينمحي أثر اللسان، فتصادف نفسك وقلبك مواظبين على الذكر من غير حركة اللسان. ثم تواظب إلى أن لا يبقى في قلبك إلا معنى اللفظ، ولا يخطر ببالك حروف اللفظ وهيآت الكلمة، بل يبقى المعنى المجرد حاضرا في قلبك على اللزوم والدوام».

 


كيف يقبل العقل أن يمنع مؤمن مؤمنا من قراءة القرآن والمواظبة على التلاوة؟ أم كيف نفهم قَبول حجة الإسلام عالم بغداد توجيها من هذا القبيل؟ أم كيف نعقل بادئ الأمر أن يسأل أمثال أبي حامد هذه المسألة: هل أواظب على التلاوة؟

 


 

إن إسلاس القياد لولي مرشد يدلك على الطريق شرط في السلوك. وما كان لولي أن يأمر إلا بحق. وما منعه من المواظبة على التلاوة إلا بغية أن يهيئه بتصفية القلب بالذكر، حين يعم قلبه الإيمان ويعقل قلبه القرآن، لمرحلة تكون فيها المواظبة على التلاوة عبادة كاملة. وهاك الدليل.

 

روى الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رسول الله، إني أقرأ القرآن فلا أجد قلبي يعقل عليه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن قلبك حشي الإيمان، وإن الإيمان يعطى العبد قبل القرآن».

 

ثم إن الذكر بالاسم المفرد أنكره ابن تيمية رحمه الله وأجمع الصوفية إجماعا على أن الذكر به من أعظم الذكر. فلا جدال.

 

ثم إن العبرة عندنا هنا في انصياع عالم فقيه من أعلام الملة لشيخ «متبوع مقدم»، يطيعه فيما يأمر بلا نقاش. السؤال الدائم: لماذا يضطر الفقهاء الصادقون لصحبة المشايخ؟ والجواب الدائم أنها الولاية التي لا تكسب بالدراسة والاطلاع، بل بنور يقذفه الله جل وعلا في قلوب أصفيائه، فيأتي من شاء الله له خيرا يقتبس من ذلك النور. والنفوس الصغيرة لا تقبل أن تعترف بمزية عليها لأحد، إنما يعترف بفضل أولي الفضل من كان أهلا لفضل الله الذي يوتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.

 

ويمضي أبو حامد يطبق الإرشادات إلى أن فتح الله له كما يفتح الفتاح العليم لأحبابه. كتب رحمه الله في «المنقذ من الضلال»:

 

«ثم دخلت الشام وأقمت بها قريبا من سنتين، لا شغل لي إلا العزلة والخلوة والرياضة والمجاهدة، اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق وتصفية القلب بذكر الله تعالى كما حصلته من علم الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابها على نفسي (…)، ودمت على ذلك مقدار عشر سنين. وانكشفت لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها. والقدر الذي أذكره ينتفع به».

 

ويؤدي الرجل بأمانة وصدق وبساطة شهادته أمام الله تعالى ليقرأها من بعده الصادقون. ما كان يبالي أن يعترض معترض أو يسخر ساخر. ما حاول أن يعلل ويفلسف ويعقلن تنازلا عند من يشققون الكلام. بل أفضى بذات قلبه إلينا في كلمات مباشرة ساذجة سذاجة الحق وبساطته. فمن أزرى بعقل كبير مثل عقل أبي حامد، أو اتهم سكرات القلوب المعروفة عند المجانين والمجاذيب، فما عليه إلا أن يتخطى شهادة الرجل ويطوي هذا الكتاب ويرتبه في الرف. وقد انتهى الأمر وما يغني الحديث. والسلام.

 

يؤدي الغزالي شهادة مجملة لأن ما انكشف له لا يمكن «استقصاؤه وإحصاؤه» فيستمر قائلا: «إني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالى خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئا من سيرهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إلى ذلك سبيلا. فإن جميع حركاتهم وسكناتهم، في ظاهرهم وباطنهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به».

 

نعم يا ولي الله، ما وراء نور النبوة نور يستضاء به، ولا فوق النموذج الأول نموذج يعلو. رحم الله زمر الصالحين من الصوفية والمحدثين والعلماء العاملين. أووا إلى الزوايا والمدارس والعزلة والصمت والمجاهدة والسهر والعبادة والذكر. وبقي

 

عليهم أمر عظيم لم يتخلوا عنه استغناء عنه، إذ لا يعوضه في مراتب الإحسان شيء. بقي عليهم الجهاد في الأرض ليحكم دين الله الأرض. عاشوا، الأحباء، في عهود كان قدر الله فيها على الأمة أن يحكم النظام العاض والجبري. وفي حاضر الأمة ومستقبلها لن نلتفت إن شاء الله إلى ما تحت الصحابة رضي الله عنهم الذين جمعوا أطراف الإحسان وأقطار المجد الدنيوي والأخروي من كل جانب. كانت فاعليتهم في ميادين الجهاد ضمان بقاء الدين واستمراره حتى اغترف الصوفية من ينبوع كان للصحابة رضي الله عنهم فضل تلقيه وصيانته والذود عنه والجِلاد من دونه بالمال والسيف، وفضل نشره وتبليغ دعوته، وفضل قتال الكفر حتى باد الكفر، وفضل نصرة الحق حتى ظهر الحق. أهل الكمال حقا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق وعمر الفاروق وعثمان ذو النورين وعلي الإمام، ثم أهل بدر وبيعة العقبة وبيعة الرضوان وسائر مشاهد الإسلام.

 

 

يوتي الله عز وجل فضله من يشاء كما يشاء. وقد آتى سادتنا الصوفية خيرا كثيرا. لكن أساليب العزلة وتربية الصمت والمجاهدة المنفردة في زماننا نكوص وبيت المقدس محتل، والأمة نهب مقسم، وجودها المعنوي مهدد، ورسالتها منكرة في عقر دارها. لسنا ممن يكيل للغزالي اتهامات كما يفعل فلاسفة الجامعات من بني جلدتنا. قضى الله وما شاء فعل، والتكليف علينا وحده هو المعتبر. تكليف الشرع أن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونجاهد في الله حق جهاده حتى تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى.

 

مطلب شريف ومطمح منيف أن تحدث نفسك بأن تلحق بالصالحين وتكون من أولياء الله. ثم أن تصارع نوازع النفس والهوى ونزغات الشيطان وتتجرد للعمل وتشمر وتهجر كل ما سوى الله عز وجل.

 

تلك طريق سلكها ذوو الهمم الرفيعة من الرجال أمثال أبي حامد، تعطرت بأنفاسهم الأزمان. لم يكن الدين غريبا في أزمنتهم، بل كانوا ساكنين تحت مطارق الأقدار الإلهية التي حكمت بأن يعيش المسلمون في ظل ملك عاض وجبري إلى أن يرفع الله جل جلاله تلك الحوبة التاريخية. الآن عاد الدين غريبا كما بدأ، فطوبى لغرباء أزمنتنا إن شمروا للالتحاق بركب الأخيار على متن الجادة الجهادية التي سلكها الصحابة في غربة الإسلام الأولى، حتى نصروا الدين وأقاموا للإسلام دولة وصرحا شامخا. تلك الجادة أوسع وأبعد منالا وأوفر نورانية لأنها جمعت بين الجهاد لتحقيق مطالب الأمة وبين المجاهدة لتحقيق المطلب الإحساني الفردي.

 

في ظروف الغزالي وحدوده بالزمان والمكان والمطلب تجرد الغزالي لطلب «علم الآخرة» بعد تحصيل علوم الفقه وبعد جدال الفلاسفة ونيل الأوطار الدنيوية. «وتزيا بزي الصالحين، وقصر الأمل، ووقف الأوقات على هداية الخلق ودعائهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة وتبغيض الدنيا والاشتغال بها على السالكين والاستعداد للرحيل إلى الدار الباقية والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشم منه رائحة المعرفة أو التيقظ بشيء من أنوار المشاهدة».

 

من عظماء الإسلام كثير لجأوا مثل الغزالي، قبله وبعده، إلى مربين يساعدونهم على جواز العقبات. لا تكاد تحصي الأمثلة للعلماء الذين ارتموا في أحضان العارفين تعج بذكرهم كتب التاريخ وطبقات المذاهب.

 

هل كان سلطان العلماء بهلولا مجنونا لما لبس الخرقة من شيخ صوفي

 

من أجلهم سلطان العلماء شيخ الإسلام والمسلمين إمام عصره بلا مدافعة، الآمر بالمعروف الناهي عن المنكر الذي كان في عصره ملاذ الأمة وحاميها من الحكام الظلمة. إنه عز الدين بن عبد السلام الصائل بعلمه في المجالس، الصائل بشجاعته في الحق، يهجم بكلمة الزجر والتأنيب على دواوين الحكام. مواقفه تشرف كل منتسب للعلم في كل زمان.

 

كان رحمه الله أعبد الخلق وأتقاهم. حكى عنه ابن دقيق العيد، أحد الأكابر علما وتقى، أنه: «لبس خرقة التصوف من الشيخ شهاب الدين السهروردي وأخذ عنه». وذكر أيضا أنه: «كان يقرأ بين يديه رسالة القشيري فحضره مرة الشيخ أبو العباس المرسي لما قدم من الإسكندرية إلى القاهرة، فقال له الشيخ عز الدين: تكلم عن هذا الفصل. فأخذ المرسي يتكلم والشيخ عز الدين يزحف في الحلقة ويقول: اسمعوا هذا الكلام الذي هو حديث العهد بربه».

 

قال السبكي: «وقد كانت للشيخ عز الدين اليد الطولى في التصوف، وتصانيفه قاضية بذلك».

 

قال عز الدين سلطان العلماء: «أما تفضيل العارفين بالله على العارفين بأحكام الشرع فقول الأستاذ (القشيري) وأبي حامد (الغزالي) فيه متفق. ولا يشك عاقل أن العارفين بما يجب لله من أوصاف الجلال ونعوت الكمال وبما يستحيل عليه من العيب والنقصان أفضل من العارفين بالأحكام. بل العارفون بالله أفضل من أهل الفروع والأصول. لأن العلم يشرف بشرف المعلوم وبثمراته. فالعلم بالله وصفاته أشرف من العلم بكل معلوم من جهة أن متعلقه أشرف المعلومات وأكملها، ولأن ثماره أفضل الثمرات».

 

هل كان فطاحلة علمائنا بهاليل مجانين حتى يزحفوا في الحلقة إعجابا بكلام العارفين وهم كانت ترتعد خوفا منهم فرائص الجبارين في الأرض؟ أم أنهم لم يجدوا في كتب الرقائق والوعظ ما يروي الغلة حتى ينقادوا للمشايخ ويتتلمذوا بأدب؟

 


 

قال القسطلاني صاحب المؤلفات المشهورة: «وإن كان مرادك أن تصير بقراءتها (أي كتب القوم) صوفيا محققا فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو قرأت من هذه الكتب عدد رمل عالج في مدة عمر نوح لم تصر صوفيا حتى يلج الجمل في سم الخياط. إنما التصوف الدؤوب في الطاعات، وترك المخالفات، وفطم النفس عن المألوفات، وعدم التطلع إلى ما في أيدي الناس من الأموال المباحات فضلا عن الشبهات، وترك التوسل بالخلق، والاعتماد على الله في كل الحالات».

 

يفتي القسطلاني بحرمة قراءة الكتب المشتملة على العبارات الغامضة والشطحات. وينصح بعدم تضييع الوقت في طلب علم القوم، لأن العلم بلا عمل بطالة. وكانت سعادته بلقاء الشيخ شهاب الدين السهروردي، وهو ابن أخ الشيخ أبي النجيب السهروردي الأشهر، لبس منه خرقة التصوف.

 

الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء يسلك الطريق على يد شيخ صوفي

 

وكان تقي الدين بن دقيق العيد شيخا إماما زاهدا محدثا حافظا ورعا فقيها بلغ درجة الاجتهاد المطلق. قال السبكي : «ولم ندرك أحدا من مشايخنا يختلف في أن ابن دقيق العيد هو العالم المبعوث على رأس السبعمائة المشار إليه في الحديث المصطفوي النبوي صلى الله عليه وسلم، وأنه أستاذ زمانه علما ودينا».

 

هذا الإمام الأوحد في قرنه سلك طريق القوم على يد الشيخ الصالح كمال الدين بن عبد الظاهر الهاشمي. وكانت له كرامات كثيرة.

 

نختم حديثنا عن الفقهاء الصوفية، وقد اقتصرنا على الأشهرين من الشافعية، بذكر التقي السبكي أحد أعلام الأمة الذي كان يدعى بالشافعي الثاني، وناهيك بالتشبيه.

 

تصدى التقي السبكي، والد مؤلف الطبقات، لمسائل شيخ الإسلام ابن تيمية وعارضه في اجتهاداته الشاذة عن الإجماع في موضوع زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وفي قضية الطلاق المعلق وغيرها.

 

كانت اضطرابات ابن تيمية رحمه الله وسجنه وما لحقه ولحق أصحابه من أذى نتيجة لما يسمى «مسائل» ابن تيمية. وهي بضع وستون مسألة في أصول الدين وقضايا الفقه خالف فيها علماء عصره. لم يكن الفارس الحنبلي في زمانه وتفرده بآرائه وحِدَّته المرجع المطلق كما هو الشأن في هذه الأزمان التي فتحت فيها أبواب الخزائن لتنشر كتبه من دون كتب خصومه.

 

يقول الحافظ الذهبي الناقد اللاذع عن شيخه التقي السبكي في كتابه «المعجم المختصر»

 

كما نقل عنه عبد الوهاب السبكي في الطبقات: «القاضي الإمام العلامة الفقيه المحدث الحافظ فخر العلماء تقي الدين أبو الحسن (…) وكان صادقا ثبتا خيرا دينا متواضعا حسن السمت من أوعية العلم. يدري الفقه ويقرره، وعلم الحديث ويحرره، والأصول ويقررها والعربية ويحققها (…) وقد بقي في زمانه الملحوظ إليه بالتحقيق». شهادة إنصاف.

 

كان «ملحوظ زمانه» هذا ومحققه كلفا بالصالحين ومعاشرتهم، كثير العبادة والذكر، مستجاب الدعوة، ظاهر الكرامات. «وكان كثير التعظيم للصوفية والمحبة لهم. ويقول: طريق الصوفي إذا صحت هي طريق الرشاد التي كان السلف عليها».

 

يعظمه الذهبي ويقول: «ما صعد هذا المنبر بعد ابن عبد السلام أعظم منه».

 

قال عبد الوهاب السبكي: «وصح من طرق شتى عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه كان لا يعظم أحدا من أهل العصر كتعظيمه له، وأنه كان كثير الثناء على تصنيفه في الرد عليه». رحمهم الله جميعا وإيانا وعفا، إنه العفو الغفور.

 

ما علاقة المفسر الشافعي بالشاذلية

 

كان الحافظ المفسر الشافعي المذهب ابن كثير رحمه الله ممن ينكرون على الصوفية ويشتدون. في أخريات عمره رجع واعترف وتتلمذ ودخل في صف الشاذلية.

 

قال الصلاح الصفدي في كتابه «نكت الهميان» : «ورأيت شيخنا عماد الدين (ابن كثير) قد فتر عنه (أي عن أبي الحسن الشاذلي) وبقي واقفا في هذه العبارات حائرا في الرجل لأنه كان قد تصوف على طريقته. وأخذ عن نجم الدين الأصفهاني نزيل الحرم، ونجم الدين صحب الشيخ أبا العباس المرسي صاحب الشيخ أبي الحسن»1.

 

ماذا وجد الشوكاني عنذ النقشبندية

 

مجتهد القرنين الثاني عشر والثالث عشر الشوكاني الذي يحظى عند السادة السلفية والحنابلة بالقبول التام وتحظى كتبه بالتقدير الكامل. هذا الرجل مثال للاعتدال والإنصاف، نعرض نصوصا له لمن يعرف الحق بالرجال ولا يعرف الرجال بالحق لبعده عن الحق.

 

الشوكاني أيضا أخذ وتلقى عن شيخ صوفي ، هو أيضا تتلمذ وقعد بين يدي مرب ماهر في طب القلوب. أتدري يا أخي ماذا تلقى ؟ إنه تلقى دواء كما تلقى غيره ممن قرأت وممن لم تقرأ. فإن كنت مطمئنا إلى إيمانك وسلامة قلبك أكثر من اطمئنان من سردت عليك من الفحول فلا عليك أن ترضى بحالك وأن تقعد فأنت الطاعم الكاسي.

 

تحدث الشوكاني في كتابه «البدر الطالع» عن شيخه في طريق القوم السيد عبد الوهاب الحسني الموصلي. قال: «وقدم علينا إلى صنعاء في سنة 1234. وكثر اتصاله بي. وهو جامع بين علم الأديان والأبدان، جيد الفهم فصيح اللسان، حسن العبارة، حسن الإشارة».1

 

قال: «وقد تلقيت منه الذكر على الطريقة النقشبندية».

 

كان الشوكاني إماما مستقلا باجتهاده، يؤلف، كما قرأنا، كتابا في الدعوة للاعتدال، ويشجب المذاهب المتشددة ويقول: «فإن صاحب نجد (سعود) وجميع أتباعه يعملون بما تعلموه من محمد بن عبد الوهاب، وكان حنبليا، ثم طلب الحديث بالمدينة المشرفة. فعاد إلى نجد وصار يعمل باجتهادات جماعة من متأخري الحنابلة كابن تيمية وابن القيم وأضرابهما، وهما من أشد الناس على معتقدات الأموات».

 

ماذا بعد

 

كثيرا ما قرأنا عبارات «أخذ عنه» أو «تلقى عنه»،

 

فيا عجبا أي شيء يتلقاه أئمة الدين حماة الشريعة من أساتذتهم الصوفية؟

 

أفي الأمر أسرار كهنوتية أم أن الأمة أجمعت على ضلال حين اتبعت فقهاء في أغلبهم يتصوفون، واقتدت بصوفية تتلقى عنهم وتأخذ شيئا زائدا عن العلم والفتوى والإرشاد؟

 

إن في هذا ما يحير من كان خالي الفؤاد من هم الآخرة وهم الله، ويشل حركته، ويرتد به إلى السلبية والعدمية والشك. ألا يكفي يا فقهاء ما جمعتموه من علوم حتى تلتمسوا من قوم ليس لهم أحيانا سماع ولا رواية ولا أصول مضبوطة محفوظة؟ ماذا تتلقون مما لا تجدونه في كتاب الله وسنة رسوله؟

 

أثم شيء زاده الصوفية في الدين، أم هو وحي بعد الوحي أم أن الدين الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بحاجة إلى من يكمله؟

 

أسئلة إنكار وجدال تبقى صماء لاتصيخ لجواب في فم الغاضب لنفسه، وقد يوهمه جهله أنه يغضب لله. أما من كان في قلبه حرقة، وكان من ذوي الأفق لواسع، استكشف رحاب العلم وجوانب الاطلاع، فانتهى مثل الغزالي إلى أن علمه المكتسب ما زاده إلا تخبطا في الدنيا وهوسها بعيدا عن علم الآخرة بعيدا عن معرفة ربه، فذاك يطلب العلم لايمل، ويتعرض كما تعرض موسى عليه السلام لمن يعلمه علما، يتبعه على ذلك ويطيعه ويصبر معه.

 

 


( ig ;hk fdk hgw,tdm ,hglp]edk wvhu)>>> d]d hgado hgtrdv hgrh]vd

 


هذا الموضوع منقول من :: منتديات الأنوار القادرية والأرواح الرحمانية :: يمكنك زيارته في اي وقت للاطلاع على مواضيعه


from منتديات الأنوار القادرية لفضيلة الشيخ (الفقير القادري) http://ift.tt/1C6Hivq

via IFTTT

أضف تعليقاً